عبد الوهاب الشعراني

175

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

له الأمر كما استقام لصاحبيه ، فلما استشهد لم يقدر على رضي اللّه عنه على شيء يسوس به الخلق غير السيف ، إذ رأى ذلك صوابا . وفي حكاية أخرى عنه قال كان أبو بكر رضي اللّه عنه يشم نسيم الرسالة ، وعمر رضي اللّه عنه يشم نسيم النبوة ، وعثمان رضي اللّه عنه يشم نسيم الاصطفاء ، وعلى رضي اللّه عنه يشم نسيم المحبة ، فكان بيان إشاراتهم مما خصوا به من الكرامة في هجيرهم ، فكان هجير أبى بكر لا إله إلا اللّه وكان هجير عمر اللّه أكبر ، وكان هجير عثمان سبحان اللّه ، وكان هجير على الحمد للّه ، فكان أبو بكر رضي اللّه عنه لم يشهد في الدارين غير اللّه فكان يقول لا إله إلا اللّه ، وكان عمر رضي اللّه عنه يرى ما دون اللّه صغيرا في جنب اللّه فيقول اللّه أكبر ، وكان عثمان رضي اللّه عنه لا يرى التنزيه إلا للّه تعالى إذ الكل قائم به غير معرى من النقصان ، والقائم بغيره معلول فكان يقول سبحان اللّه وكان على رضي اللّه عنه يرى نعمة اللّه في الدفع والمنع والمحبوب والمكروه فكان يقول الحمد للّه . وكان يقول ما ارتفع من ارتفع بكثرة صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا مجاهدة وإنما ارتفع بالخلق الحسن ، قال صلى اللّه عليه وسلم " أقربكم منى مجلسا يوم القيامة أحسنكم خلقا " وكان يقول ليس مهر من مهور الجنة أحب إلى الحور العين من إعراض العبد عن الدنيا ، وليس وسيلة للعبد عند اللّه تعالى أحب إليه من إعراضك عن نفسك ، وكان رضي اللّه عنه يقول إنما ابتلى الخلق بالفراق لئلا يكون لأحد سكون مع غير اللّه عز وجلّ ، وكان يقول قوام الإسلام وشرائعه بالمنافقين ، وقوام الإيمان وشرائعه بالعارفين باللّه عز وجلّ ، وكان رضي اللّه عنه يقول : العارف سكوته تسبيح ، وكلامه تقديس ، ونومه ذكر ، ويقظته صلاة ، وذلك لأن أنفاسه تخرج على مشاهدة ومعاينة وكان يقول العارف لا تكليف عليه ، أي لزوال التعب والنصب عنه ، فأفعاله الشاقة على غيره لا يتكلف لها بل هي كخروج النفس ودخوله . وسئل رضي اللّه عنه عن معنى الطهارة فقال : الطهارة بالنفوس والصلاة بالقلوب فبغسل الوجه يعرض عن الدنيا ، وبغسل يديه يكفى الخلق يمنة ويسره ، وبمسح الرأس يبرأ عن نفسه ، وبغسل القدمين يقوم لمناجاة ربه ، فإذا كبر للصلاة خرج من جميع كليته لتصح له مناجاة ربه ، وقيل له مرة إذا سمع الإنسان شيئا من العلم فسكنت نفسه إليه ولكن عنده اعتراض في نفسه هل يسكت أم يعترض حتى يتبين له الحق فيعمل به فقال لا يسكت بل يعترض حتى يتبين له الحق .