عبد الوهاب الشعراني
176
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
قلت ومعنى الاعتراض أن يقول لشيخه لا افهم هذا ومقصودى تفهمه لي لا أنه يرد الكلام جملة واللّه تعالى أعلم ، وكان يقول تولد ورع الورعين من خوف مؤاخذتهم بالذرة والخردلة والخطرة واللحظة ، ولولا ذلك ما صح لهم ورع ، وأشد الورع أن يحاسب نفسه على مقادير الخردلة وأوزان الذرة وكيف يزكى نفسه من لا ينفك من الخسران ويخالط أهل العصيان واللّه تعالى يقول فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى « 1 » وكان رضي اللّه عنه يقول : من علامات الأولياء ثلاثة أشياء : يصون سره فيما بينه وبين اللّه ويحفظ جوارحه فيما بينه وبين الناس يدارى الخلق على تفاوت عقولهم ، وكان يقول تاه بعض أصحابنا في البادية فورد على عين فإذا عليها جارية كالقمر فوقف عندها فقالت إليك عنى فقال اشتغل كلى بك ، فقالت في تلك العين جارية أخرى لا أصلح أن أكون خادمة لها ، فالتفت إلى ورائه فقالت ما أحسن الصدق وأقبح الكذب ، زعمت أن الكل منك مشغول بي وأنت تلتفت إلى غيرى ، ثم التفت فلم ير أحدا وكان يقول القرآن كله شيئان مراعاة أدب العبودية وتعظيم حق الربوبية رضي اللّه عنه . 185 - ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الخواص رضى اللّه تعالى عنه ورحمه : هو من أجل من سلك طريق التوكل وكان أوحد المشايخ في وقته وكان من أقران الجنيد والنوري ، وله في الرياضات والسياحات مقام يطول شرحه ، مات بجامع الري سنة إحدى وتسعين ومائتين مات بعلة البطن ، وكان كلما قام توضأ وصلى ركعتين ، فدخل الماء يوما فمات وسط الماء ، وكان يقول إنما العلم لمن اتبع العلم واستعمله واقتدى بالسنن وإن كان قليل العلم ، وكان يقول التاجر برأس مال غيره مفلس ، وكان يقول على قدر إعزاز المؤمن لأمر اللّه يلبسه اللّه من عزه ويقيم له العز في قلوب المؤمنين ، وكان يقول من جهة الفقير أن تكون أوقاته مستوية في الانبساط صابرا على فقره لا تظهر عليه فاقة ، ولا تبدو منه حاجة ، أقل أخلاقه الصبر والقناعة مستوحشا من الرفاهية ، مستأنسا بالخشونات ، فهو بضد ما عليه الخليقة ، ليس له وقت معلوم ولا سبب معروف ، فلا تراه إلا مسرورا بفقره فرحا بضره ، مئونته على نفسه ثقيلة وعلى غيره خفيفة ، يعز الفقر ويعظمه ويخفيه بجهده ويكتمه ، حتى عن
--> ( 1 ) سورة النجم : آية 32 .