عبد الوهاب الشعراني

174

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

قلت وفي هذا نظر لا يخفى ، وكان رضي اللّه عنه يقول المحبة إقامة العتاب على الدوام وقال في قوله تعالى : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا « 1 » ما لم يعطف الرب على العبد بالرحمة لم يعطف العبد على اللّه بالطاعة ، وقال في قوله تعالى هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى « 2 » إن أدم عليه السلام قال يا رب لم أدبتنى وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود إلى جوارك ، فقال يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا منى والخلود بيدي وملكي فأشركت بي وأنت لا تشعر ولكن نبهتك بالخروج حتى لا تنسانى في وقت من الأوقات . وكان رضي اللّه عنه يقول : يقول اللّه تعالى يا ابن آدم إن أعطيتك الدنيا اشتغلت بها عنى وإن منعتكها اشتغلت بطلبها فمتى تتفرغ لي ، وكان يقول من حكم المبتدى أن يهتدى بالحقائق ويسير بالعلم ويجد في العمل ولا يقف ولا يلتفت ، وقال في قوله تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ « 3 » أي في الظواهر من الأخلاق الشريفة والعبادات المرضية دون البواطن والأسرار والإشارات ألا ترى إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم يوم الخندق " ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل " إشارة إلى الكون وإلى ما يليق بالكون إذ كل ما دون اللّه هو من الكون وأسراره صلى اللّه عليه وسلم لا يطيق حملها أحد من الخلق لأنه باين أمته بالمكان والمباشرة ، ومن أجل ذلك قال صلى اللّه عليه وسلم لأنس بن مالك رضي اللّه عنه " أحفظ سرى تكن مؤمنا " وكان رضي اللّه عنه يقول من صعب عليه خدمته لم يصل إلى قربه ، ومن لم يتنعم بذكره في الدنيا لم يتنعم برؤيته في الآخرة ، وكان يقول الهيبة مقرونة بالورع فمن قل ورعه قلت هيبته وكان يقول العارف يربح على ما مضى منه في معصية اللّه تعالى إضعاف ما يربح غيره على طاعة اللّه تعالى لأن ذنوبه دائما نصب عينيه لا يفتر عن ذكرها أبدا . وكان يقول لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قام أبو بكر رضي اللّه عنه يسوس الخلق بقضيب مع قوة نسيم النبوة ، فلما توفى أبو بكر رضي اللّه عنه تقدم عمر رضي اللّه عنه على سياسة الناس ، فأقام حدود اللّه بدرته ، ولم يقدر عثمان على سياسة الناس بالدرة فأخرج السوط فلم يستقم

--> ( 1 ) سورة التوبة : آية 118 . ( 2 ) سورة طه : آية 120 . ( 3 ) سورة الأحزاب : آية 21 .