عبد الوهاب الشعراني

14

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

قلت وسمعت شيخي ومولاي أبا يحيى زكريا الأنصاري شيخ الإسلام يقول : إذا لم يكن للفقيه علم بأحوال القوم واصطلاحاتهم فهو فقيه جاف وكنت أسمعه يقول كثيرا الاعتقاد صبغة والانتقاد حرمان . انتهى . وكان شيخنا الشيخ محمد المغربي الشاذلي رضي الله عنه يقول : اطلب طريق ساداتك من القوم وإن قلوا ، وإياك وطريق الجاهلين بطريقهم وإن جلوا ، وكفى شرفا بعلم القوم قول موسى عليه السلام للخضر هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً « 1 » وهذا أعظم دليل على وجوب علم الحقيقة كما يجب طلب علم الشريعة وكل عن مقامه يتكلم ، انتهى . قلت : وقد رأيت رسالة أرسلها الشيخ محيي الدين بن العربي رضي الله عنه للشيخ فخر الدين الرازي صاحب التفسير ، يبين له فيها نقص درجته في العلم ، هذا والشيخ فخر الدين الرازي مذكور في العلماء الذين انتهت إليهم الرسالة في الاطلاع على العلوم من جملتها : اعلم يا أخي وفقنا اللّه وإياك أن الرجل لا يكمل عندنا في مقام العلم حتى يكون علمه عن اللّه عزّ وجل بلا واسطة من نقل أو شيخ فإن من كان علمه مستفادا من نقل أو شيخ فما برح عن الأخذ عن المحدثات وذلك معلول عند أهل اللّه عزّ وجلّ ومن قطع عمره في معرفة المحدثات وتفاصيلها فاته حظه من ربه عزّ وجل ، لأن العلوم المتعلقة بالمحدثات يفنى الرجل عمره فيها ولا يبلغ إلى حقيقتها . ولو أنك يا أخي سلكت على يد شيخ من أهل اللّه عزّ وجل لأوصلك إلى حضرة شهود الحق تعالى فتأخذ عنه العلم بالأمور من طريق الإلهام الصحيح من غير تعب ولا نصب ولا سهر كما أخذه الخضر عليه السلام فلا علم إلا ما كان عن كشف وشهود لا عن نظر وفكر وظن وتخمين ، وكان الشيخ الكامل أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه يقول لعلماء عصره أخذتم علمكم من علماء الرسوم ميتا عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت . وينبغي لك يا أخي ألا تطلب من العلوم إلا ما تكمل به ذاتك وينتقل معك حيث انتقلت وليس ذلك إلا العلم باللّه تعالى ، من حيث الوهب والمشاهدة فإن علمك بالطب مثلا إنما يحتاج إليه في عالم الأسقام والأمراض ، فإذا انتقلت إلى عالم ما فيه سقم ولا مرض فمن تداوى بذلك العلم .

--> ( 1 ) سورة الكهف : الآية 66 .