عبد الوهاب الشعراني

15

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

فقد علمت يا أخي أنه لا ينبغي للعاقل أن يأخذ من العلوم إلا ما ينتقل معه إلى البرزخ دون ما يفارقه عند انتقاله إلى عالم الآخرة وليس المنتقل معه إلا علمان فقط العلم باللّه عزّ وجل والعلم بمواطن الآخرة حتى لا ينكر التجليات الواقعة فيها ولا يقول للحق إذا تجلى له نعوذ باللّه منك كما ورد . فينبغي لك يا أخي الكشف عن هذين العلمين في هذه الدار لتجني ثمرة ذلك في تلك الدار ، ولا تحمل من علوم هذه الدار إلا ما تمس الحاجة إليه في طريق سيرك إلى اللّه عزّ وجل على مصطلح أهل اللّه عزّ وجل وليس طريق الكشف عن هذين العلمين إلا بالخلوة والرياضة والمشاهدة والجذب الإلهي . وكنت أريد أن أذكر لك يا أخي الخلوة وشروطها وما يتجلى لك فيها على الترتيب شيئا فشيئا لكن منعني من ذلك الوقت وأعني بالوقت من لا غوص له في أسرار الشريعة ممن دأبهم الجدال حتى أنكروا كل ما جهلوا وقيدهم التعصب وحب الظهور والرياسة وأكل الدنيا بالدين عن الإذعان لأهل اللّه تعالى والتسليم لهم . انتهى . وقد حكى الشيخ محيي الدين بن العربي في الفتوحات « 1 » وغيرها ، أن طريق الوصول إلى علم القوم الإيمان والتقوى قال اللّه تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ « 2 » أي أطلعناهم على العلوم المتعلقة بالعلويات والسفليات وأسرار الجبروت وأنوار الملك والملكوت ، وقال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ « 3 » . والرزق نوعان روحاني وجسماني ، وقال تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ « 4 » أي يعلمكم ما لم تكونوا تعلمونه بالوسائط من العلوم الإلهية ولذلك أضاف التعليم إلى اسم اللّه الذي هو دليل على الذات وجامع للأسماء والأفعال والصفات . ثم قال رضي الله عنه فعليك يا أخي بالتصديق والتسليم لهذه الطائفة ولا تتوهم فيما يفسرون به الكتاب والسنة أن ذلك إحالة للظاهر عن ظاهره ولكن لظاهر الآية

--> ( 1 ) كتاب الفتوحات المكية للشيخ الأكر محيي الدين بن عربي مطبوع ومشهور ، به كثير من العلم النافع ، وبه أيضا كثير من الغموض واللبس والمشتبه وغير ذلك ، ولذلك يحتاج هذا الكتاب ، نظرا لأهميته ، إلى المراجعة والتصحيح والتهذيب . رحم اللّه الشيخ وجزاه خير الجزاء ، على ما قدم واجتهد . ( 2 ) سورة الأعراف : الآية 96 . ( 3 ) سورة الطلاق : الآية 2 ، 3 . ( 4 ) سورة البقرة : الآية 282 .