عبد الوهاب الشعراني

139

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكان رضي اللّه عنه يقول أول بلية العبد تعطل القلب من ذكر الآخرة وحينئذ تحدث الغفلة في القلب وقيل لأحمد بن حنبل رضي اللّه عنه إن الحارث المحاسبي يتكلم في علوم الصوفية ويحتج لها بالآي فهل لك أن تسمع كلامه من حيث لا يشعر فقال نعم . فحضر معه ليلة إلى الصباح ولم ينكر من أحواله ولا من أحوال أصحابه شيئا قال لأني رأيتهم لما أذن بالمغرب تقدم فصلى ثم حضر الطعام فجعل يحدث أصحابه وهو يأكل وهذا من السنة فلما فرغوا من الطعام وغسلوا أيديهم جلس وجلس أصحابه بين يديه وقال من أراد منكم أن يسأل عن شيء فليسأل فسألوه عن الرياء والإخلاص وعن مسائل كثيرة فأجاب عنها واستشهد عليه بالآي والحديث فلما مر جانب من الليل أمر الحارث قارئا يقرأ فبكوا وصاحوا وانتحبوا ثم سكت القارئ فدعا الحارث بدعوات خفاف ثم قام إلى الصلاة فلما أصبحوا اعترف أحمد رضي اللّه عنه بفضله وقال كنت أسمع من الصوفية خلاف هذا استغفر اللّه العظيم رضي اللّه عنه . 146 - ومنهم أبو سليمان داود بن نصير الطائي رضي اللّه عنه : كان رضي اللّه عنه كبير الشأن في باب الزهد والورع حتى إنهم دخلوا عليه في مرض موته فلم يجدوا في بيته شيئا غير دن صغير فيه خبز يابس ومطهرة ولبنة كبيرة من التراب هي مخدته وكان رضي اللّه عنه يقول لأصحابه إياكم أن يتخذ أحدكم في داره أكثر من زاد الراكب إلى البلاد البعيدة وقيل له مرة دلنا على رجل نجلس إليه فنربح فقال رضي اللّه عنه عند تلك ضالة لا توجد وكان يقول إنما يطلب العلم للعمل به أولا فأولا وإذا أفنى الطالب عمره في جمعه فمتى يعمل به . ومكث رضي اللّه عنه أربعا وستين سنة أعزب فقيل له كيف صبرت عن النساء قال قاسيت شهوتهن عند إدراكي سنة ثم ذهبت شهوتهن من قلبي وكان لا يسأل اللّه الجنة حياء منه ويقول وددت أن أنجو من النار فأصير رمادا وكان يقول قد مللنا الحياة لكثرة كل خليط يرغب فيها جملة كافية فلا يجالسه ولا يعوده واللّه تعالى أعلم . 147 - ومنهم أبو علي شقيق بن إبراهيم البلخي رضي اللّه عنه : كان رضي اللّه عنه من مشايخ خراسان له لسان في التوكل حسن الكلام وقيل إنه أول من تكلم في علم الأحوال بكورة خراسان .