عبد الوهاب الشعراني
138
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
الصالحين وقل فيها السالكون ، وهجرت الأعمال وقل فيها الرغبون ، ورفض الحق ، ودرس هذا الأمر فلا أراه إلا في لسان كل بطال ينطق بالحكمة ، ويفارق الأعمال الصالحة قد افترش الرخص وتمهد التأويلات واعتل بذلك العاصون ثم يقول وأغماه من فتنة العلماء وأكرباه من حيرة الأدلاء . وكان رضي اللّه عنه يقول من أنس بربه في الظلام نشرت عليه غدا الأعلام وكان رضي اللّه عنه ينشد كثيرا ويقول : لا في النهار ولا في الليل لي فرح * فما أبالي أطال الليل أم قصرا لأننى طول ليلي هائم دنف * وبالنهار أقاسي الهم والفكرا رضي اللّه عنه . 145 - ومنهم أبو عبد اللّه الحارث بن أسيد المحاسبي رضي اللّه عنه : وهو من علماء مشايخ القوم بعلوم الظاهر وعلوم الأصول وعلوم المعاملات له التصانيف المشهورة ، عديم النظير في زمانه وهو أستاذ أكثر البغداديين بصري الأصل . مات ببغداد سنة ثلاث وأربعين ومائتين رضي اللّه عنه ، ومن كلامه رضي اللّه عنه من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين اللّه تعالى ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة وكان رضي اللّه عنه يقول خيار هذه الأمة هم الذين لا تشغلهم آخرتهم عن دنياهم ولا دنياهم عن آخرتهم وأنشدوا بين يديه مرة : أنا في الغربة أبكي * ما بكت عين غريب لم أكن يوم خروجي * عن مكاني بمصيب فقام وتواجد حتى رق له كل من حضره وسئل رضي اللّه عنه عن المتوكل هل يلحقه طمع من طريق الطباع فقال خطرات لا تضره شيئا وكان رضي اللّه عنه يقول عملت كتابا في المعرفة وأعجبت فيه فبينما أنا ذات يوم انظر فيه مستحسنا له إذ دخل على شباب عليه ثياب رثة فسلم على وقال يا أبا عبد اللّه المعرفة حق للحق على الخلق أو حق للخلق على الحق فقلت له حق على الخلق للحق ، فقال هو أولى أن يكشفها لمستحقها فقلت بل حق للخلق على الحق فقال هو أعدل من أن يظلمهم ثم سلم على وخرج قال الحارث فأخذت الكتاب وحرقته وقلت لا عدت أن أتكلم في المعرفة بعد ذلك .