عبد الوهاب الشعراني

134

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

لي فقال عليه السلام هون اللّه عليك طاعته فقلت زدني فقال وسترها عليك وكان رضي اللّه عنه يقول قال لي رجل من المتصوفة يا أبا نصر انقبضت عن أخذ البر من أيدي الناس لإقامة الجاه فقال إن كنت متحققا بالزهد منصرفا عن الدنيا فخذ من أيديهم ليمحي جاهك عندهم ثم أخرج مما يعطونك إلى الفقراء وفرقه عليهم ولا تذق منه شيئا وكن بعد التوكل بأخذ قوتك من الغير فاشتد هذا القول على أصحابي . فقلت له جزاك اللّه خيرا عني ولكن اسمع جوابي فقال نعم فقلت له اعلم أن الفقراء ثلاثة . فقير لا يسأل وإن أعطى لا يأخذ فذاك من الروحانيين . وفقير لا يسأل وإن أعطى قبل فذاك من أوسط القوم . وفقير اعتقد الصبر ومدافعة الوقت فإذا طرقته الحاجة خرج إلى عبيد اللّه وقلبه إلى اللّه بالسؤال فكفارة مسألته صدقه في السؤال . فقال الرجل رضيت رضي اللّه عنك . وكان رضي اللّه عنه يقول حسبك أقوام موتى تحيا القلوب بذكرهم وإن أقواما أحياء تقسو القلوب برؤيتهم ، وكان يقول يا طالب العلم إنما أنت متلذذ متفكه بالعلم تسمع وتحكى لا غير ولو عملت بما علمت لتجرعت مرارة العلم ويحك إنما يراد بالعلم العمل فاسمع يا أخي وتعلم ثم اعمل واهرب ألا ترى إلى سفيان الثوري رضي اللّه عنه كيف طلب العلم وتعلم وهرب . فاسمع ما أقول لك فإن طلب العلم إنما يدل على الهرب من الدنيا لا على حبها وكان رضي اللّه عنه يقول الصدقة أفضل من الجهاد والحج والعمرة « 1 » لأن ذاك يركب ويجئ فيراه الناس وهذا يعطى سرا فلا يراه إلا اللّه عز وجلّ وكان يقول إني لأجل اللّه تعالى أن أذكره عند من لا يعرفه ولا يتعرفه وكان رضي اللّه عنه يقول أمس قد مات واليوم في النزع وغد لم يولد فبادروا بالأعمال الصالحة . وكان يقول إذا راسلت أحدا بكتاب فلا تزخرفه بحسن الألفاظ فإني كتبت مرة كتابا فعرض كلام لي إن كتبته حسن الكتاب وكان كذبا وإن تركته سمج

--> ( 1 ) هو يقصد حج النافلة أما حج الفرض فهو أفضل لأنه واجب الأداء ولا تقدم الصدقة عليه .