عبد الوهاب الشعراني
131
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
قلت : وكذلك كان إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه يقول من آنسه اللّه بقربه أعطاه العلم من غير طلب وكان يقول ليس بعاقل من تعلم العلم فعرف به ثم آثر بعد ذلك هواه على علمه وليس بعاقل من طلب الإنصاف من غيره لنفسه ولم ينصف من نفسه غيره وليس بعاقل من نسي اللّه في طاعته وذكر اللّه تعالى في مواضع الحاجة إليه . وكان رضي اللّه عنه يقول تواضع لجميع خلق اللّه تعالى وإياك أن تتواضع لمن يسألك أن تتواضع له فإن سؤاله إياك يدل على تكبره في الباطن وتواضعك له يكون له عونا على التكبر وكان يقول رضي اللّه عنه من نظر في عيوب الناس عمى عن عيب نفسه وكان يقول من طلب مع الخبز ملحا لم يفلح في طريق القوم . وسئل رضي اللّه عنه عن كمال العقل وعن كمال المعرفة فقال إذا كنت قائما بما أمرت تاركا لتكلف ما كفيت فأنت كامل العقل ، وإذا كنت باللّه عز وجلّ متعلقا وغير ناظر إلى سواه من أحوالك وأعمالك فأنت كامل المعرفة ، وكان رضي اللّه عنه يقول قد غلب على العباد والنساك والقراء في هذا الزمن التهاون بالذنوب حتى غرقوا في شهوة بطونهم وفروجهم ، وحجبوا عن شهود عيوبهم فهلكوا وهم لا يشعرون ، أقبلوا على أكل الحرام وتركوا طلب الحلال ورضوا من العمل بالعلم يستحى أحدهم أن يقول فيما لا يعلم لا أعلم ، هم عبيد الدنيا لا علماء الشريعة إذ لو علموا بالشريعة لمنعتهم عن القبائح إن سألوا ألحوا وإن سئلوا شحوا لبسوا الثياب على قلوب الذئاب اتخذوا مساجد اللّه التي يذكر فيها اسمه لرفع أصواتهم باللغو والجدال والقيل والقال واتخذوا العلم شبكة يصطادون بها الدنيا فإياكم ومجالستهم . وسئل رضي اللّه عنه عن الحديث لم لا تشتغل به قال للحديث رجال وشغلي بنفسي استغرق وقتي والحديث من أركان الدين ولولا نقص دخل على أهل الحديث والفقه لكانوا أفضل الناس في زمانهم ، ألا تراهم بذلوا علمهم لأهل الدنيا يستجلبون دنياهم فحجبوهم واستكبروا عليهم ، وافتتنوا بالدنيا لما رأوا من حرص أهل العلم والمتفقهين عليها فخانوا اللّه ورسوله وصار إثم كل من تبعهم في عنقهم جعلوا العلم فخا للدنيا وسلاحا يكسبونها به بعد أن كان سراجا للدين يستضاء به . وسئل رضي اللّه عنه عن العلماء بالقرآن فقال هم الذين نصبوا الركب والأبدان صحبوا القرآن بأبدان ناحلة وشفاه ذابلة ودموع وابلة وزفرات غالية أولئك لهم الأمن وهم