عبد الوهاب الشعراني

13

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

علمنا هذا مشيد بالكتاب والسنة ردا على من توهم خروجه عنهما في ذلك الزمان أو غيره . وقد أجمع القوم على أنه لا يصلح للتصدر في طريق اللّه عزّ وجل إلا من تبحر في علم الشريعة وعلم منطوقها ومفهومها وخاصها وعامها ، وناسخها ومنسوخها ، وتبحر في لغة العرب حتى عرف مجازاتها واستعاراتها وغير ذلك ، فكل صوفي فقيه ولا عكس . وبالجملة فما أنكر أحوال الصوفية إلا من جهل حالهم ، وقال القشيري لم يكن عصر في مدة الإسلام وفيه شيخ من هذه الطائفة إلا وأئمة ذلك الوقت من العلماء قد استسلموا لذلك الشيخ وتواضعوا له ، وتبركوا به ولولا مزية وخصوصية للقوم لكان الأمر بالعكس انتهى . قلت : ويكفينا للقوم مدحا إذعان الإمام الشافعي رضي الله عنه لشيبان الراعي ، حين طلب الإمام أحمد بن حنبل أن يسأله عمن نسي صلاة لا يدري أي صلاة هي وإذعان الإمام أحمد بن حنبل لشيبان كذلك حين قال شيبان هذا رجل غفل عن اللّه عزّ وجل فجزاؤه أن يؤدب ، وكذلك يكفينا إذعان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه لأبى حمزة البغدادي الصوفي رضي الله عنه واعتقاده حين كان يرسل له دقائق المسائل ويقول ما تقول في هذا يا صوفي كما سيأتي بيان ذلك في ترجمة أبي حمزة رضي الله عنه ، فشئ يقف في فهمه الإمام أحمد ويعرفه أبو حمزة غاية المنقبة للقوم . كذلك يكفينا إذعان أبي العباس بن سريج للجنيد حين حضره وقال لا أدري ما يقول ولكن لكلامه صولة ليست بصولة مبطل ، وكذلك إذعان الإمام أبي عمران للشبلي حين امتحنه في مسائل من الحيض وأفاده سبع مقالات لم تكن عند أبي عمران ، وحكى الشيخ قطب الدين بن أيمن رضي الله عنه أن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه كان يحث ولده على الاجتماع بصوفية زمانه ويقول إنهم بلغوا في الإخلاص مقاما لم تبلغه . وقد أشبع القول في مدح القوم وطريقهم الإمام القشيري في رسالته والإمام عبد اللّه بن أسعد اليافعي في روض الرياحين وغيرهما من أهل الطريق وكتبهم كلها طافحة بذلك ، وقد كان الإمام أبو تراب النخشبي أحد رجال الطريق رضي الله عنه يقول إذا ألف العبد الإعراض عن اللّه تعالى صحبته الوقيعة في أولياء اللّه .