عبد الوهاب الشعراني
12
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
مقدّمة في بيان : أن طريق القوم مشيدة بالكتاب والسنة ، وأنها مبنية على سلوك أخلاق الأنبياء والأصفياء ، وبيان أنها لا تكون مذمومة إلا أن خالفت صريح القرآن أو السنة أو الإجماع لا غير ، وأما إذا لم تخالف فغاية الكلام أنه فهم أوتيه رجل مسلم فمن شاء فليعمل به ومن شاء تركه ونظير الفهم في ذلك الأفعال وما بقي باب للإنكار إلا سوء الظن بهم وحملهم على الرياء وذلك لا يجوز شرعا . ثم اعلم يا أخي رحمك اللّه أن علم التصوف عبارة عن علم انقدح في قلوب الأولياء حين استنارت بالعمل بالكتاب والسنة ، فكل من عمل بهما انقدح له من ذلك علوم وأدب وأسرار وحقائق تعجز الألسن عنها ، نظير ما انقدح لعلماء الشريعة من الأحكام حين عملوا بما علموه من أحكامها ، فالتصوف إنما هو زبدة عمل العبد بأحكام الشريعة ، إذا خلا عمله من العلل وحظوظ النفس ، كما أن علم المعاني والبيان زبدة علم النحو . فمن جعل علم التصوف علما مستقلا صدق ، ومن جعله من عين أحكام الشريعة صدق ، كما أن من جعل علم المعاني والبيان علما مستقلا فقد صدق ، ومن جعله من جملة علم النحو فقد صدق ، لكنه لا يشرف على ذوق أن علم التصوف تفرع من عين الشريعة إلا من تبحر في علم الشريعة حتى بلغ إلى الغاية . ثم إن العبد إذا دخل طريق القوم وتبحر فيها أعطاه اللّه هناك قوة الاستنباط ، نظير الأحكام الظاهرة على حد سواء فيستنبط في الطريق واجبات ومندوبات وآدابا ومحرمات ومكروهات وخلاف الأولى نظير ما فعله المجتهدون وليس إيجاب مجتهد باجتهاده شيئا لم تصرح الشريعة بوجوبه أولى من إيجاب ولي اللّه تعالى حكما في الطريق لم تصرح الشريعة بوجوبه كما صرح بذلك اليافعي وغيره . وإيضاح ذلك : أنهم كلهم عدول في الشرع اختارهم اللّه عزّ وجلّ لدينه ، فمن دقق في النظر علم أنه لا يخرج شيء من علوم أهل اللّه تعالى عن الشريعة ، وكيف تخرج علومهم عن الشريعة والشريعة هي وصلتهم إلى اللّه عزّ وجل في كل لحظة ، ولكن أصل استغراب من لا له إلمام بأهل الطريق أن علم التصوف من عين الشريعة كونه لم يتبحر في علم الشريعة ولذلك قال الجنيد رحمه اللّه تعالى :