عبد الوهاب الشعراني

102

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكان من أصبر الناس على الوحدة لا يراه أحد إلا في المسجد أو جنازة أو عيادة وكان يكره المشي في الأسواق وكان ورده كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة فلما ضرب بالسياط ضعف بدنه فكان يصلي مائة وخمسين ركعة كل يوم وليلة وحج رضي اللّه عنه خمس حجات ثلاثا منها ماشيا وكان ينفق في كل حجة نحو عشرين درهما ولما قدم للسياط أيام المحنة أغاثه اللّه تعالى برجل يقال له أبو الهيثم العيار فوقف عنده وقال يا أحمد أنا فلان اللص ضربت ثمانية عشر ألف سوط لأقر فما أقررت وأنا أعرف أني على الباطل فأحذر أن نتقلقل وأنت على الحق من حرارة السوط فكان أحمد كلما أوجعه الضرب تذكر كلام اللص وكان بعد ذلك لم يزل يترحم عليه ولما دخل أحمد على المتوكل قال المتوكل لأمه يا أماه قد نارت الدار بهذا الرجل ثم أتوا بثياب نفيسة فألبسوها له فبكى وقال سلمت منهم عمري كله حتى إذا دنا أجلى بليت بهم وبدنياهم ثم نزعها لما خرج . وكان رضي اللّه عنه يواصل الصوم فيفطر كل ثلاثة أيام ، على تمر وسويق وقال الفضيل بن عياض رضي اللّه عنه حبس الإمام أحمد ثمانية وعشرين شهرا وكان فيها يضرب كل قليل بالسياط إلى أن يغمى عليه وينخس بالسيف ثم يرمى على الأرض ويداس عليه ولم يزل كذلك إلى أن مات المعتصم وتولى بعده الواثق فاشتد الأمر على أحمد وقال لا أسكن في بلد الحد فيه فأقام مختفيا لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها حتى مات الواثق وولى المتوكل فرفع المحنة عن أحمد وأمر بإحضاره وإكرامه وإعزازه وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وإظهار السنة وأن القرآن غير مخلوق وخمدت المعتزلة وكانوا أشر الطوائف المبتدعة . قال أحمد بن عسال : ولما حملت مع أحمد إلى المأمون تلقانا الخادم وهو يبكي ويمسح دموعه وهو يقول عز على يا أبا عبد اللّه ما نزل بك قد جرد أمير المؤمنين سيفا لم يجرده قط وبسط نطعا لم يبسطه قط ثم قال وقرابتي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا رفعت السيف عن أحمد وصاحبه حتى يقولا القرآن مخلوق فجثا أحمد على ربكبتيه ولحظ السماء بعينيه ودعا فما مضى الثلث الأول من الليل إلا ونحن بصيحة وضجة فأقبل علينا خادمه وهو يقول صدقت يا أحمد القرآن كلام اللّه غير مخلوق قد مات واللّه أمير المؤمنين ، وكان قد لقيه قبل أن يدخل المدينة رجل من العباد فقال احذر يا أحمد أن