عبد الوهاب الشعراني
10
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
عليهم عنها مبعدون ، فالأولياء في جنة القرب متنعمون ، والمنكرون في نار الطرد والبعد معذبون « لا يسأل عما يفعل وهم يسألون » . وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، شهادة شهد بها الموقنون ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا صلى اللّه عليه وسلم عبده ورسوله النور المخزون وصحبه أجمعين ، كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك الغافلون . وبعد : فهذا كتاب لخصت فيه طبقات جماعة من الأولياء الذي يقتدي بهم في طريق اللّه عزّ وجلّ من الصحابة والتابعين إلى آخر القرن التاسع وبعض العاشر ، ومقصودي بتأليفه فقه طريق القوم في التصوف من آداب المقامات والأحوال لا غير ، ولم أذكر من كلامهم إلا عيونه وجواهره دون ما شاركهم غيرهم فيه مما هو مسطور في كتب أئمة الشريعة . وكذلك لا أذكر في أحوالهم في بداياتهم إلا ما كان منشطا للمريدين كشدة الجوع والسهر ومحبة الخمول وعدم الشهرة ونحو ذلك أو كان يدل على تعظيم الشريعة دفعا لمن يتوهم في القوم أنهم رفضوا شيئا من الشريعة حين تصرفوا كما صرح به ابن الجوزي في حق الغزالي بل في حق الجنيد والشبلي فقال في حقهم ولعمري لقد طوى هؤلاء بساط الشريعة طيا فيا ليتهم لم يتصرفوا . قلت وكذلك قال لي جماعة من أهل عصري حين اجتمعت بالفقراء واشتغلت بطريقهم وهذا الذي التزمته من ذكر عيون كلامهم فقط ما أظن أن أحدا ممن ألف في طبقاتهم التزمه ، إنما يذكرون عنهم كل ما يجدونه من كلامهم وأحوالهم ولا يفرقون بين ما قالوه أو وقع منهم في حال البداية ، ولا بين ما وقع منهم في حال التوسط والنهاية ، ومن فوائد تخصيص عيون كلامهم بالذكر تقريب الطريق على من صح له الاعتقاد فيهم وأخذ كلامهم بالقبول . فإن المريد الصادق هو من إذا سمع من شيخه كلاما ، فعمل به على وجه الجزم واليقين ، ساوى شيخه في المرتبة ، وما بقي له على المريد زيادة ، إلا كونه هو المقيض عليه ، ومن هنا قالوا بداية المريد نهاية شيخه ، فإن ما قاله الشيخ أو فعله أواخر عمره هو زبدة جميع مجاهداته طول عمره . وسلكت في هذه الطبقات نحو مسلك المحدثين وهو أن ما كان من الحكايات والأقوال في الكتب المسندة ، كرسالة القشيري والحلية لأبي نعيم وصرح صاحبه بصحة سنده أذكره بصيغة الجزم ، وكذلك ما ذكره بعض المشايخ المكملين في سياق