ابن الحنبلي
مقدمة 27
در الحبب في تاريخ أعيان حلب
إلى صالح بن مرداس الكلابي على عمق في التاريخ يبلغ خمسمائة سنة ، وبني الشحنة وآل العديم وبني الدرهم وغيرهم من بيوتات حلب . ويقدم لنا بصورة غير مباشرة لوحة صادقة عن حياة الشعب بكافة طبقاته ومعاشهم وتفكيرهم وسلوكهم من سادة الناس وسراتهم ، وعامتهم ودهمائهم ، وعالمهم وجاهلهم ، وفقيههم ودرويشهم . . وقد أخذ صاحب الكواكب السائرة ذلك على الرضي فقال « . . . يشتمل على الغث والسمين والتافه والثمين ، وربما طوّل فيه بعض التراجم بما لا تعلق له بالمرام وليس له بفن التاريخ التئام ، وربما أكمل الأسماء لئلا يخلو الحرف من التراجم بنقاش أو تاجر أو مغنّ أو مطنبر أو عاشق أو معمار أو غيرهم من العوام « 1 » » ويرد عليه الطباخ فيقول : « لم يخل من شيء من ذلك ، ولكن لا بالمقدار الذي ذكره الغزي رحمه اللّه تعالى ، فإنه قد جاوز الحد وارتكب شطط المبالغة في الأمر ، فإن الكثير من هذه التراجم التي لا يؤبه لها هي من الأهمية بمكان ، وخصوصا في هذا العصر الذي توجهت فيه الرغبات لمعرفة أرباب الصناعات والمتغنين بها « 2 » » ويستحسن عمله فيقول : « وحبذا لو نسج المؤرخون على منواله ، وإذا كانوا لم يدونوا الصناعات التي كانت في هذه البلاد فلا أقل من أن يترجموا المجيدين لها والبارعين فيها تنويها بشأنهم وتخليدا لذكرهم « 3 » » ولا سيما الآن وقد أصبح الشعب مصدر الإلهام ومحط الأنظار ومرام التاريخ ، ولعل من خير طرق تأليف التاريخ في العصر الحديث أن يؤرخ المؤرخ للشعب بكامله لا لطبقة خاصة منه أو للرؤساء والملوك ، فالتاريخ في الحق تاريخ حياة الشعب لا حياة القادة والرؤساء .
--> ( 1 ) انظر : « الكواكب السائرة 1 / 6 » ( 2 ) انظر : « أعلام النبلاء 6 / 64 » . ( 3 ) انظر : « أعلام النبلاء 1 / 28 » .