ابن أبي مخرمة

583

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

يقال له : غفرة ، فكانت بينهما وقعة قتل فيها من الأتراك وجموعهم وأشراف جازان ومن معهم جمع عظيم ، وحصرهم عسكر السلطان من كل جانب ، وكاد يحاط بهم ، فبذلوا مالا جزيلا لعبد النبي بن سعيد حتى أرخى له قليلا من جانبه ، فنفروا منه إلى جهة رداع ، واستولوا عليها من غير قتال بمساعدة الأمير بها يومئذ ، ثم تقدموا إلى صنعاء . وأما السلطان . . فإنه لما خرج من المقرانة . . توجه إلى الخلقة ، فتبعه طائفة من المصريين ، فهرب من الخلقة إلى قرب بلد يافع بموضع يقال له : الوسايا ، وألقى اللّه الرعب في قلبه منهم ، حتى بلغني أنه رأى فارسا واحدا من أصحابه ، فظنه من الترك أو أنه يطرد هاربا منهم ، فهرب من ذلك الرجل ، وطلب من يافع بعض حصونهم يكنّ نفسه فيه وحرمه ، فلم يساعدوه ، وقاسى من الذل والجوع والهوان هو وأهله ما لم يقاسه إنسان ، فسبحان المذل بعد العزة ، والمقل بعد الكثرة ! ولما بلغه ما حصل على المصريين في الغفرة . . استفزه الفزع ، وطمع في الظفر بهم ، فسار من الخلقة ودخل المقرانة ، وترك بها ابنه أحمد ، وخرج مسرعا يقافي الجند والعسكر ملاحقا للمصريين إلى صنعاء ومعه أخوه الشيخ عبد الملك ، وابنه أبو بكر ، وابن أخيه عامر بن عبد الملك ، وبلغني أن أخاه الشيخ عبد الملك عذله عن ملاحقة المصريين إلى صنعاء وقال له : أنت تعرف عداوة الزيدية ، فنقع بين عدوين المصري والزيدي ، فلم يصغ إلى كلامه ، ونسبه إلى الجبن والذل منهم ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا ، فسار إلى أن وصل قريبا من صنعاء بحيث يراها والمصريون حينئذ محاصرون لها ولأهلها ولم يقدروا منها على شيء ، فلما علم الجند المصري بوصول السلطان . . قصدوه قبل أن تحطّ الأحمال ، فكانت بينهم وبين العسكر السلطاني وقعة قتل فيها أخو السلطان الشيخ عبد الملك بن عبد الوهاب ؛ أصابته جليلة في وجهه وعاده لم يلبس للقتال ، فسقط ميتا ، وقتل معه أكثر عبيده وعساكره ، وذلك ليلة الخميس رابع وعشرين ربيع الأول ، فلما رأى السلطان ذلك . . عدل إلى جهة جبل نقم بعد أن أخذه شبه الوله لفقد أخيه ، فلاحقه الجند المصري وحصروه بالجبل ، فبات به ، ثم انحدر منه صبح يوم الجمعة ثاني قتل أخيه متوجها إلى حصن ذمرمر ليتحصن به ، فأدركه الجند المصريون في الطريق يمشي وقد زحف وعجز عن المسير ، فلم يعرفوه ، وقتلوه ، ثم تحققوا أنه السلطان ، فأخذوا رأسه ورأس أخيه ، فتقدموا بالرأسين وبابنه أبي بكر وابن أخيه الشيخ عامر بن عبد الملك أسيرين ، وأرسلوا بالرأسين إلى صنعاء صحبة الشهاب الجبرتي ليخبر الأمير البعداني أمير صنعاء بذلك ، فلما تحقق الأمير البعداني