ابن أبي مخرمة

392

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

وكبر جاهه ، وبعد صيته ، وصحب كثيرا من الأخيار أرباب القلوب والمشاهدات . ولم يزل على هذا حتى احتاج الديوان بأبين إلى العجور ليطعموه خيلهم ومواشيهم ، فلم يجدوا ذلك عند غيره ؛ إذ كان له كثير من الأراضي بأبين مما اكتسبه آباؤه المنتقلون نجعة من عمقين - واد بين جردان وحبان - بسبب قتل وقع بينهم وبين بني عمهم ، فطلب منه الديوان شيئا من العجور ، فامتنع عليهم وقال : أخشى أن تجري علي بذلك العادة ، فيتحرم مالي بهذه الأراضي من الجلالة ، فأخذوا منه العجور قهرا ، فخرج من أبين إلى أحور ، فاتبعوه إلى أحور ، وعاهدوه أنهم لا يعودون لمثل صنيعهم هذا ، وسألوه أن يرضى عنهم ويعفو عما كان منهم إليه ، فرجع ، وأقام بها مبجلا معظما . ثم بعد عدة سنين كان منهم إليه أخيرا كما كان أولا ، فخرج من أبين قائلا : أبين طالق ثلاثا ، لا أعود إليها ، فأتبعوه وأرادوا رجوعه ، فامتنع ، ثم خرج من أحور إلى واد بين أحور وحبان يقال له : الخبر - بفتح الخاء المعجمة ، ثم موحدة ساكنة ، وآخره راء مهملة - وبه قرية بها سلطان يعرف بالسلطان باحمل - بالحاء المهملة المفتوحة ، وفتح الميم - كان يجمع من الجنود عددا كثيرا ، وسلاطين جهته طوع حكمه ، لا يخرجون عن رأيه ، فتلقاه بالقبول والإعظام ، والإجلال والإكرام ، وزوجه بابنته ، فولدت منه بولده فخر الدين الفقيه أبو بكر بن محمد الآتي ذكره ، ثم تزوج بعدها بالخبر المذكور بنت رئيس قوم حلفاء للسلطان باحمل المذكور ، فولدت منه بالفقيه الإمام نور الدين علي بن محمد ، ثم نقله بنو عبد الواحد بعد موت السلطان المذكور إلى المصنعة ، مدينة وادي حبان ، وتبوأ بها بيتا بقرب الجامع تحت الحصن ، فكان معززا مبجلا ، معظما مغتبطا به ، فنشأ له بالمصنعة المذكورة من الزوجة الثانية أم الفقيه علي : الفقيه الإمام المتفنن المتقن المحقق المدقق شرف الدين إسماعيل بن محمد ، ثم الفقيه الإمام الورع الزاهد العابد الناسك كمال الدين إسرائيل بن محمد ، ثم الفقيه إبراهيم بن محمد ، وكلهم أئمة أخيار صالحون ، فنشئوا في حجر أبيهم نفع اللّه بهم آمين إلى أن ترعرعوا ، وراهق منهم أو بلغ الفقيه أبو بكر والفقيه علي ، فسافرا لطلب العلم الشريف إلى اليمن في حياة والدهما ، فأما أبو بكر . . فلم يبلغني كيفية طلبه ، وبالجملة : فهو فقيه ورع زاهد ، وأما الفقيه علي . . فعلى ما سنذكره في ترجمته إن شاء اللّه تعالى . وكان للفقيه محمد بن عمر المذكور من المجاهدات والعبادات والأوراد ما يجل عن الحصر ، فمما يروى عنه : أنه كان يقرأ ( قل هو اللّه أحد ) في كل يوم أربعين ألفا غير الذي