ابن أبي مخرمة

393

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

له من الأوراد الواردة في الأخبار ، وكان إذا قرأ ورده . . يأتي الطير والوحش تحت بيته يستمعون له حتى يفرغ ، فتنصرف . وكان له من الإخبار بالمغيبات ما يكثر تعداده ويستلزم البسط ، لكني أشير إلى أنموذج من ذلك : فمما روى الثقات عنه : أنه كان يحضر إلى الجامع بقرب بيته رجل صالح من أهل الكشف والتمكين من أهل المصنعة ، وقد كان ألزمه أن يتدارس القرآن هو وأولاده فيما بين المغرب والعشاء وآخر الليل ، فلما كان يوم التروية . . لم يحضر ، ولا ليلة عرفة ، ولا صبيحتها ، ولا ليلة العيد ، ولم يجتمع به الفقيه وأولاده إلا بعد صلاة عيد الأضحى ، فقال الفقيه له : ما سبب تخلفك عن الأولاد في هذه الأوقات ؟ فاعتذر إليه بأنه كان يطلب ما لا بد منه من حوائج البيت لأجل العيد ، فقال له : لا ، بل الأمر غير هذا . للّه رجال بمنى نالوا المنى * أيديهم مخضوبة بسواد « 1 » يشير إلى أن سبب غيبته في هذه الأوقات : هو حج بيت اللّه الحرام وتأدية مناسك الحج ، وبقوله : ( أيديهم مخضوبة بسواد ) إلى ما كان هذا الرجل الصالح عليه من معاناة صبغ الثياب بالنيل . ومن ذلك ما بلغنا عنه : أنه كان أضر في آخر عمره ، وكان ولده الفقيه علي مسافرا بأرض اليمن ، فاشتاقت إليه أمه ، فقال لها : إنه الآن يقدم ، فكأنها لم تعتمد على قوله ، فأمرها أن تنظر من كوة في البيت إلى الطريق التي يسلكها القادمون من اليمن ، فنظرت ، فرأته ، أو كما قيل . وكان رحمه اللّه ونفع به لكثرة مراقبته ودوام فكره ما رئي ضاحكا قط إلا مرة ، رأوا أسنانه لتبسم حصل منه بسبب صبي من أولاده كان يلعب بين يديه . وله كرامات كثيرة شهيرة ، منها : أن خطيب الجامع جاء إليه يوما وقد خرجت عينه على خده من وجع كان بها ، فأخذها الفقيه بيده المباركة وردها ، فكانت أحسن عينيه ، وهذه نظير ما صح أنه صلّى اللّه عليه وسلم رد عين قتادة بن النعمان رضي اللّه عنه .

--> ( 1 ) صدر هذا البيت غير موزون ، وعجزه من البحر الكامل .