ابن أبي مخرمة

80

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

عينيه ، ويرجو بذلك نفع إخوته ، ورجاء بركته ، وشمول دعوته ، والانتظام في سلك أهل مودته ، في يوم : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ جعلها اللّه تعالى اخوة صالحة لمرضاته ، ومودة جامعة لطاعاته ، نحمد إن شاء اللّه عاقبتها ، ونجتني ثمرتها ، ونحضر في حضرة القدس إن شاء اللّه تعالى . وبعد : أيها العلم الذي يهتدى بأنواره ، والعالم الذي يقتدى بآثاره ، والطّبّ الذي يستضاء بآرائه « 1 » ، والطبيب الذي يستشفى بدوائه ؛ فقد علمت ما كتب اللّه تعالى على العباد من الفناء ، وأنه لا سبيل لمخلوق إلى البقاء ، وإنما البقاء لخالق الأشياء ، ومدبر القضاء ، فأحسن اللّه عزاءك على فراق الشيخ الأجل عبد اللّه بن محمد ، وجبر مصابك ، وعظّم أجرك وثوابك ، وإني لمعزيك به ، وإنا المعزّون على فقده ، والمصابون بوجده ، فلقد ساءنا بعده ، وأوحشنا فقده ، وعظم علينا وجده ، وأفل عنا سعده ، وإن فجيعتنا به أعظم من فجيعتك ، ولوعتنا به أشد من لوعتك ، وروعتنا لفراقه أطم من روعتك ، وكيف لا يكون ذلك وهو أليفنا في مكاننا ، وشريفنا في زماننا ، وهو أحد عبّادنا وأوتادنا « 2 » ؟ ! ولقد كان نعم العون عند نزول النوائب ، والمذخر لمخشي العواقب : [ من الطويل ] وبالكره منا فقده وفراقه * ولكنّ خطب الدهر بالناس يوقع وكنّا ذخرناه لكلّ ملمة * وسهم الرزايا بالذخائر مولع فليعتقد سيدنا الفقيه الأجل أن مصابنا به مثل مصابه ، ونرجو أن ثوابنا على فراقه مثل ثوابه ، ونسأل اللّه الكريم البر الرحيم أن يرحمه رحمة واسعة ، ويغفر له مغفرة جامعة ، ويوسع عليه في ضريحه ، ويفتح أبواب الجنة لروحه ، وأن يخلفه في [ أهل ] بيته وأهل مودته بما خلف به عباده الصالحين ، وأن يرفع درجته في عليين . وبعد : فإنه لم يكن أحوج منا إلى لقاء الحضرة العزيزة ومشافهتها ، والتمتع بالأنس بطلعتها ، وقد علم اللّه سبحانه بما في النفوس إليه من الاشتياق ، وما تضمنت الأحشاء من الإقلاق ، وإنا لنستدعي أوبته في كل زمان ، ونتمنى عوده في كل أوان ، وإن كل مسألتنا إلى

--> ( 1 ) الطب - بفتح الطاء - : الرجل الماهر بعلمه ، وفي « المشرع الروي » ( 2 / 234 ) : ( واللبيب ) . ( 2 ) في « المشروع الروي » ( 2 / 234 ) : ( وهو أحد علمائنا ، وأوحد عبّادنا ، وأجلّ أوتادنا ) .