ابن أبي مخرمة

210

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

في سنة أربع وعشرين ، وقبض على بني رسول ، وأرسل بهم إلى مصر تحت الاعتقال ، واستبقى منهم المنصور ؛ لما بينهما من المودة ، ولما أراد اللّه به من اتصاله بالملك . ثم عزم المسعود إلى الديار المصرية في سنة ست وعشرين ، واستناب المنصور على اليمن ، فلما بلغ مكة . . توفي ، فلما علم المنصور بموته . . قام بالأمر قياما كليا ، وأظهر أنه نائب لبني أيوب ، فلم يغير سكة ولا خطبة ، وأضمر الاستقلال بالملك ، وجعل يولّي الحصون من يرتضيه ويثق به ، ويعزل من يخشى منه خلافا ، وإن ظهر له من أحد خلاف أو عصيان . . عمل في قتله أو أسره ، فاستولى على البلاد التهامية بأسرها ، ثم سار إلى الجبال ، فتسلم حصن التّعكر وخدد وصنعاء ، واستولى على اليمن بأسره ، ثم نازع الكامل في ولايته مكة . وفي سنة ثلاثين أظهر الاستقلال ، وأمر أن يخطب باسمه على المنابر ، وأن تضرب السكة باسمه . وأرسل إلى المستنصر العباسي ببغداد يطلب منه نيابة السلطنة في قطر اليمن ، فوصله ذلك من الخليفة في البحر على طريق البصرة . وكان ملكا ضخما ، شجاعا شهما ، لا يمل الحرب ، عارفا حازما ، سريع النهضة عند الحادثة ، لم يقنع باقتلاعه ملك اليمن من بني أيوب واستقلاله به بعد أن كان نائبهم حتى طرد عساكرهم مرة بعد أخرى عن مكة المشرفة . وله مآثر دينية ، منها مدرسة بمكة ، وأخرى بعدن ، وأخرى في حد المنسكية من نواحي سهام ، ومدرستان بتعز ، وثلاث مدارس بزبيد ، ورتب في كل مدرسة مدرسا ومعيدا ودرسة ، وإماما ومؤذنا ، ومعلما وأيتاما يتعلمون القرآن العظيم ، وأوقف عليها أوقافا جيدة تقوم بكفاية الجميع . ولما رجع من صنعاء إلى الجند . . وثب عليه جماعة من مماليكه فقتلوه في قصر الجند تاسع ذي القعدة من سنة سبع وأربعين وست مائة . ويقال : إن الذي شجعهم على ذلك ابن أخيه أسد الدين محمد بن الحسن بن علي بن رسول ؛ وذلك لما فهم من عمه أنه شاء أن ينتزع منه صنعاء ويقطعها ولده المظفر ، فعامل المماليك على قتل عمه ، ووعدهم ما اطمأنت إليه نفوسهم ، وقد بسطنا ترجمته في « التاريخ » المختص بالثغر « 1 » .

--> ( 1 ) انظر « تاريخ ثغر عدن » ( 2 / 174 ) .