ابن أبي مخرمة
85
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
المجاورين ، فلما وصلت الخيل إليهم . . أقبلت عليهم الحجارة من جانبي الوادي مثل المطر ، وكان ذلك من أول النهار إلى آخره ، فحال بينهم الليل ، ورجع العسكر إلى الملك ، وأخبروه بما تم لهم ، فعلم أنه لا طاقة له بأهل الجبل لتحصنهم ، فأعرض عنهم . وتحقق ابن تومرت ذلك منه ، وصفا له مودة أهل الجبل ، فعند ذلك استدعى الونشريشي المذكور وقال له : هذا أوان إظهار فضلك دفعة واحدة ليقوم لك مقام المعجزة ؛ لنستميل بك قلوب من لا يدخل في الطاعة ، ثم اتفقا على أنه يصلي الصبح ويقول بلسان فصيح بعد استعمال العجمة واللكنة في تلك المدة : إني رأيت البارحة في منامي وقد نزل ملكان من السماء وشقا فؤادي وغسلاه وحشياه علما وحكمة وقرآنا ، فلما أصبح . . قال ذلك ، وهو فصل يطول شرحه ، فاتفق أن انقاد له كل صعب القياد ، وعجبوا من حاله وحفظه القرآن في النوم ، فقال له ابن تومرت : فعجل لنا البشرى في أنفسنا ، وعرفنا أسعداء نحن أم أشقياء ؟ فقال له : أما أنت . . فإنك المهدي القائم بأمر اللّه ، ومن تبعك . . سعد ، ومن خالفك . . هلك ، ثم قال : اعرض علي أصحابك حتى أميز أهل الجنة من أهل النار ، وعمل في ذلك حيلة قتل بها من خالف أمر محمد ، وأبقى من أطاعه ، وشرح ذلك يطول ، وكان غرضه ألا يبقى في الجبل مخالف لابن تومرت ، فلما قتل من قتل . . علم محمد أن في الباقين من له أهل وأقارب قتلوا ، وأنهم لا تطيب قلوبهم بذلك ، فجمعهم ، وبشرهم بانتقال ملك صاحب مراكش إليهم ، واغتنامهم أمواله ، فسرهم ذلك وسلّاهم عمن قتل من أهليهم . وبالجملة : فإن تفصيل هذه الواقعة طويل ، وخلاصة الأمر أن محمدا لم يزل حتى جهز جيشا عدد رجاله عشرة آلاف ما بين فارس وراجل ، وفيهم عبد المؤمن والونشريسي ، فنزل القوم لحصار مراكش ، وأقاموا عليها شهرا ، ثم كسروا كسرة شنيعة ، وقتل الونشريسي في جماعة ، وهرب عبد المؤمن في آخرين ، وبلغ ابن تومرت الخبر وهو في الجبل ، وحضرته الوفاة قبل عود أصحابه إليه ، وأوصى من حضر أن يبلغ الغائبين أن النصر لهم ، والعاقبة حميدة ، فلا تضجروا ، وليعاودوا القتال ؛ فإن اللّه سيفتح على أيديهم ، والحرب سجال ، وإنكم ستقوون ويضعفون ، وتكثرون ويقلون ، وأنتم في مبدأ أمر ، وهم في آخره ، ومثل هذه الوصايا وأشباهها ، وهي وصية طويلة . ثم إنه توفي في سنة أربع وعشرين وخمس مائة « 1 » .
--> ( 1 ) في « الكامل في التاريخ » ( 8 / 660 ) : توفي سنة ( 514 ه ) ، وفي « تاريخ ابن خلدون » ( 6 / 305 ) : توفي سنة ( 522 ه ) .