ابن أبي مخرمة

81

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

شبيبته طالبا للعلم ، فانتهى إلى العراق ، فلقي الإمام أبا حامد الغزالي وطائفة ، وحصل فنونا من العلم : الحديث والأصول والكلام . وكان ورعا ساكنا ، ناسكا زاهدا ، لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركوة ، متقشفا ، شجاعا جلدا ، عاقلا ، كثير الإطراق ، بساما في وجوه الناس ، عميق الفكر ، بعيد الغور ، فصيحا مهيبا ، مقبلا على العبادة ، لذته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ، محتملا للأذى من الناس . حج وأقام بمكة مدة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، فناله بها شيء من المكروه ، فخرج منها إلى مصر ، وبالغ في الإنكار ، فزادوا في أذاه ، وطردته الدولة ، وكان إذا خاف من البطش وإيقاع الفعل به . . خلط في كلامه ، فينسب إلى الجنون ، فخرج من مصر إلى الإسكندرية ، ثم توجه منها إلى بلاده ، فلما ركب السفينة . . شرع في تغيير المنكر على أهل السفينة ، وألزمهم إقامة الصلوات وقراءة أحزاب من القرآن ، ولم يزل على ذلك حتى انتهى إلى المهدية إحدى مدن إفريقية في أيام الأمير يحيى بن تميم بن المعز الصنهاجي ، وذلك في سنة خمس وخمس مائة ، وقيل : في أيام أبيه تميم بن المعز ، فنزل بها في مسجد مغلق وهو في الطريق ، وجلس في طاق شارع إلى المحجة ينظر إلى المارة ، فلا يرى منكرا من آلة الملاهي أو أواني الخمر إلا نزل إليها وكسرها ، وتسامع الناس به في البلد ، فجاءوا إليه ، وقرءوا عليه كتبا من أصول الدين ، وبلغ خبره الأمير ، فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء ، فلما رأى سمته وسمع كلامه . . أكرمه وأجله ، وسأله الدعاء ، فلم يزده على قوله : أصلحك اللّه لرعيتك ، ثم انتقل إلى بجاية ، فأقام بها مدة على حاله في الإنكار ، فأخرج منها إلى بعض قراها واسمها : ملّالة . ويقال : إن ابن تومرت كان قد اطلع من علوم أهل البيت على كتاب يسمى : « الجفر » - بفتح الجيم ، وسكون الفاء ، وآخره راء - وسيأتي إيضاح « الجفر » في سنة ثمان وخمسين ، وأنه رأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى بمكان يسمى : السوس ، من ذرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يدعو إلى اللّه عزّ وجل ، ويكون مقامه ومدفنه بموضع من المغرب يسمى : تين ملّ ، وسيأتي ضبطه قريبا ، ورأى فيه أيضا أن استقامة ذلك الأمر واستيلاءه وتمكنه يكون على يد رجل من أصحابه هجاء اسمه : ع ب د م وم ن ، ويجاوز وقته المائة الخامسة للهجرة ، فأوقع اللّه في نفسه أنه القائم بأول الأمر ، وأن أوانه قد أزف ، فما كان يمر بموضع إلا سأل عنه ، ولا يرى أحدا إلا أخذ اسمه وتفقد حليته ، وكانت حلية