ابن أبي مخرمة

82

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

عبد المؤمن معه ، فبينا هو في بعض طرق ملّالة المذكورة . . إذ رأى شابا قد بلغ أشده على الصفة التي معه ، فقال له وقد تجاوزه : ما اسمك يا شاب ؟ فقال : عبد المؤمن ، فرجع إليه وقال : اللّه أكبر ، أنت بغيتي ، فنظر في حليته ، فوافقت ما عنده ، فقال له : ممن أنت ؟ فقال : من كومية - بضم الكاف ، وسكون الواو ، وكسر الميم ، وفتح المثناة من تحت - قبيلة ، فقال : وأين مقصدك ؟ قال : الشرق ، أطلب علما ، فقال له : وجدت علما وشرفا وذكرا ، اصحبني . . تنله ، فوافقه على ذلك ، فألقى محمد إليه أمره ، وأودعه سره . وكان محمد ابن تومرت قد صحب رجلا يسمى : عبد اللّه الونشريسي - بواو ، ثم نون ساكنة ، ثم شين معجمة مكررة قبل الراء والمثناة من تحت وبعدهما - وكان الونشريسي ممن تهذب وقرأ الفقه وغيره ، وكان جميلا فصيحا في لغة العرب وأهل المغرب ، ففاوضه ابن تومرت فيما عزم عليه من القيام ، فوافقه على ذلك أتم الموافقة ، فتحدثا يوما في كيفية الوصول إلى الأمر المطلوب ، فقال ابن تومرت لعبد اللّه الونشريسي : أرى أن تستر ما أنت عليه من العلم والفصاحة عن الناس ، وتظهر من العجز واللّكن والحصر والتعري من الفضائل ما تشتهر به عند الناس ؛ لنتخذ الخروج عن ذلك واكتساب العلم والفصاحة دفعة واحدة ؛ ليقوم ذلك مقام المعجزة عند حاجتنا إليه ، فنصدّق فيما تقوله ، ففعل عبد للّه ذلك . ثم إن ابن تومرت استدنى أشخاصا من أهل المغرب أجلادا في القوى الجسمانية ، أغمارا ، وكان أميل إلى الأغمار من أولي الفطن والاستبصار ، فاجتمع له منهم ستة سوى الونشريسي ، ثم إنه رحل بهم إلى أقصى المغرب ، واجتمع بعبد المؤمن على ما ذكرناه ، وتوجهوا جميعا إلى مراكش وسلطانها يومئذ أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين ، وكان ملكا عظيما ، حليما ، عادلا ، متواضعا ، وكان بحضرته رجل يقال له : مالك بن وهيب الأندلسي ، وكان عالما صالحا ، ونزل بأصحابه في مسجد خراب خارج مراكش ، وشرع ابن تومرت في الإنكار على جاري عادته ، حتى أنكر على ابنة الملك ، وله في ذلك قصة يطول شرحها ، فبلغ خبره الملك ، وأنه يتحدث في تغيير الدولة ، فتحدث مالك بن وهيب في أمره وقال : نخاف من فتح باب يعسر علينا سده ، والرأي أن يحضر هذا الشخص وأصحابه لنسمع كلامهم بحضور جماعة من علماء البلد ، فأجاب الملك إلى ذلك ، فأحضروهم من المسجد المذكور ، فقال الملك لعلماء بلده : سلوا هذا الرجل ما يبغي منا ، فانتدب له محمد بن أسود قاضي المرية فقال : ما هذا الذي يذكر عنك من الأقوال في