ابن أبي مخرمة

251

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

فلما أصبح المصريون . . حضروا عند القائد للتهنئة ، فوجدوه قد حفر أساس القصر في الليل ، وكان فيه زورات جاءت غير معتدلة لم تعجبه ، ثم قال : حفرت في ساعة سعيدة لا أغيرها ، وأقام عسكره يدخل البلد سبعة أيام . وبادر جوهر بالكتاب إلى مولاه المعز يبشره بالفتح ، وأنفذ إليه رؤوس القتلى في الوقعة ، وقطع خطبة بني العباس عن سائر الديار المصرية ، وكذلك اسمهم على السكة ، وجعل ذلك كله باسم مولاه المعز ، وأزال الشعار الأسود ، ولبس الخطباء الثياب البيض ، وفي يوم الجمعة أمر جوهر بزيادة بعد الخطبة : ( اللهم ؛ صل على محمد المصطفى ، وعلى علي المرتضى ، وعلى فاطمة البتول ، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول ، الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، اللهم ؛ صل على الأئمة الطاهرين ، آباء أمير المؤمنين ) ، وفي الجمعة الأخرى أذن ب ( حي على خير العمل ) ، ودعا الخطيب على المنبر للقائد جوهر ، فأنكر جوهر ذلك عليه وقال : ليس هذا رسم موالينا . وشرع في عمارة الجامع بالقاهرة ، قال القاضي ابن خلكان : ( وأظنه المعروف بجامع الأزهر ؛ فإن الجامع الآخر بالقاهرة مشهور بجامع الحاكم ) « 1 » . وأقام جوهر مستقلا بتدبير مملكة مصر قبل وصول مولاه المعز إليها أربع سنين وعشرين يوما ، ولما وصل المعز إلى القاهرة . . خرج جوهر من القصر إلى لقائه ، ولم يخرج معه شيء من آلته سوى ما كان عليه من الثياب ، ثم لم يعد إليه ، ونزل في داره بالقاهرة ، وأقام جوهر بمصر نافذ الأمر ، مستمرا على علو منزلته وارتفاع درجته ، متوليا للأمور إلى سابع عشر المحرم في سنة أربع وستين ، فعزله المعز عن قبض الأموال والتصرف فيها ، وبقي وافر الحرمة ، تام الحشمة إلى أن توفي سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة . وكان محسنا إلى الناس ، فلما توفي . . لم يبق شاعر إلا رثاه . وكان ولده الحسين قائد القواد للحاكم بن العزيز بن المعز صاحب مصر ، وكان قد خاف على نفسه من الحاكم ، فهرب هو وولده وصهره القاضي عبد العزيز زوج أخته ، فأرسل الحاكم من ردهم وطيّب قلوبهم وآنسهم مدة مديدة ، ثم حضروا للخدمة ، فتقدم الحاكم إلى سيف النقمة راشد ، فاستحضر عشرة من الغلمان الأتراك ، وقتلوا الحسين وصهره ، وأحضروا رأسيهما بين يدي الحاكم ، وعند اللّه تجتمع الخصوم .

--> ( 1 ) « وفيات الأعيان » ( 1 / 380 ) .