ابن أبي مخرمة

16

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

القرامطة جموعهم ، وقصدوا ذمار ، فلحق المرتضى بأبيه الهادي ، وذلك في سنة أربع وتسعين ومائتين ، ثم قصد علي بن الفضل صنعاء في جيش عظيم ، ودخلها لثلاث مضين من رمضان سنة ثمان وتسعين ومائتين ، ورتب فيها من يحفظها ، فلما رأى أنه قد استحكم له الأمر . . خلع طاعة عبيد اللّه المهدي ، وكاتب صاحبه منصورا بذلك ، فلامه منصور على ذلك وقال له : كيف تخلع طاعة من لم تنل خيرا إلا به ، وببركة الدعاء إليه ؟ وذكره العهود والمواثيق ، فلم يلتفت ابن الفضل إلى ذلك ، ثم كتب إلى منصور وقال : إن لي أسوة بأبي سعيد ؛ إذ قد دعا إلى نفسه ، وأنت إن لم تدخل في طاعتي . . نابذتك بالحرب . وغلب على ظن منصور صحة ما يقوله ، ثم تحصن بحصن جبل مسور من كل ناحية ، وسار ابن الفضل لحرب منصور في عشرة آلاف رجل من المعدودين المعروفين بالشجاعة ، فحصر منصورا في حصنه ثمانية أشهر ، فلم يظفر منه على طائل ، وسئم الوقوف ، وشق عليه الرجوع بغير وجه ، فراسله منصور بن حسن في معنى الصلح ، فقال : لا ، إلا أن يرسل إلي بعض ولده ، يقف معي على الطاعة ، ويظهر للناس أني تركته تفضلا لا عجزا ، فأرسل إليه منصور بعض ولده ، فطوقه علي بن الفضل طوقا من ذهب ، وسار معه إلى صنعاء ، فأقام بها أياما ، ثم استناب فيها أسعد بن أبي يعفر ، وسار إلى المذيخرة ، فقدم إلى صنعاء رجل بغدادي يزعم أنه شريف ، وكان جراحيا ماهرا في عمل الأدوية ، بصيرا بفتح العروق ومداواة الجرحى ، فصحبه أسعد بن أبي يعفر واختص به ، ثم قال الطبيب : قد عزمت على أن أهب نفسي للّه وللمسلمين ، وأريحهم من هذا الطاغية ، فقال له أسعد بن أبي يعفر : لئن فعلت ذلك وعدت . . لأقاسمنك ملكي ، وتعاهدا على ذلك . ثم قصد الطبيب المذيخرة ، فخالط وجوه الدولة بها وكبراءها ، وسقاهم الأدوية النافعة ، وقصده من احتاج إلى ذلك ، فانتفع به ناس كثير ، ورفع ذكره إلى علي بن الفضل ، وأثني عليه بحضرته ، وقيل له : إنه لا يصلح أن يكون إلا لمثلك ، فاحتاج يوما إلى الفصاد ، فحضر الطبيب بين يديه ، وجرّد من ثيابه ، وغسل المبضع وهو ينظر ، وكان قد دهن أطراف شعر رأسه بسم قاتل ، فلما دنا ليفصده وقعد بين يديه . . مص المبضع بفمه ؛ تنزيها لنفسه ، ثم مسحه بأطراف شعره كالمنشف له ، فعلق به السم ما علق ، وفصده الأكحل وربطه ، وخرج من فوره هاربا من المذيخرة ، متوجها نحو أسعد بن أبي يعفر ، فلما كان بعد ساعة . . أحس علي بن الفضل بالموت ، فطلب الحكيم الغريب فلم يجده ،