ابن أبي مخرمة

9

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

عليه دواب سليمان ، فركب منها بغلة شهباء وانصرف ، ثم بدأ بأهله فرد ما كان بأيديهم من المظالم ، ثم فعل ذلك بالناس ، ثم كتب إلى عماله في الجهات برد المظالم إلى أهلها . وعن أبي بكر بن محمد قال : كتب إليّ عمر : أن استقر في الدواوين ، فانظر إلى كل جور جاره من قبلي في حق مسلم أو معاهد فرده إليه ، فإن مات أهل المظلمة . . فرده إلى ورثتهم ، وما كان يقدم على أحد من عماله كتاب منه إلا فيه رد مظلمة ، أو إحياء سنة ، أو إطفاء بدعة ، أو قسم ، أو تقدير عطاء حتى خرج من الدنيا . ولما استخلف . . باع كل ما كان بملكه من الفضول من عبد ولباس وعطر وكل ما يستغنى عنه ، فبلغ ذلك ثلاثة وعشرين ألف دينار ، فجعله في السبيل ، وكان قبل الخلافة متنعما في مطعمه وملبسه ، حتى إنه كان يؤتى بالثوب النفيس فيقول : ما أحسنه لولا خشونة فيه ، فلما ولي الخلافة . . زهد في الدنيا ، حتى كان يؤتى بالثوب الخشن فيقول : ما أحسنه لولا نعومة فيه . وقال رضي اللّه عنه : لي نفس تواقة تاقت إلى معالي الأمور فنالت الخلافة ، ثم تاقت إلى الجنة . ومناقبه كثيرة ، وقد أجمعوا على جلالته وفضله ، ووفور علمه وصلاحه ، وزهده وورعه ، وعدله وشفقته على المسلمين ، وحسن سيرته فيهم ، وبذل وسعه في الاجتهاد في طاعة اللّه تعالى ، وحرصه على اتباع آثار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والاقتداء بسنته وسنة الخلفاء الراشدين . وخرج في أيامه بسطام اليشكري الخارجي المعروف بشوذب في ثمانين رجلا ، وهزم جيوش العراق ، فكتب إليه عمر : بلغني أنك خرجت كما تزعم غضبا للّه تعالى ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، ولست بأولى بذلك مني ، فهلم فلنتناظر ؛ فإن كان الحق بأيدينا . . دخلت فيما دخل فيه الناس ، وإن كان في يدك . . نظرنا في أمرك ، فأمسك بسطام عن الحرب ، وبعث إليه رجلين ، فلما وصلا إلى عمر . . قالا له : أخبرنا عن يزيد لم تقره خليفة بعدك ؟ قال : صيّره غيري . قالا : أفرأيت لو وليت مالا لغيرك ، ثم وكلته إلى غير مأمون عليه أتراك كنت أديت الأمانة إلى من ائتمنك عليه ؟