ابن أبي مخرمة

558

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

ما علمت ، ومن جانبي الأيمن منقرس ، فلو مر به الذباب . . لتألمت ، وبي حصاة لا ينسرح لي البول معها ، وأشد ما علي ست وتسعون سنة ، وكان ينشد : [ من الوافر ] أترجو أن تكون وأنت شيخ * كما قد كنت أيام الشباب لقد كذبتك نفسك ليس ثوب * دريس كالجديد من الثياب قال أبو الحسن البرمكي : أنشدني الجاحظ : وكان لنا أصدقاء مضوا * تفانوا جميعا فما خلّدوا تساقوا جميعا كئوس المنون * فمات الصديق ومات العدو قال الشيخ اليافعي : ( كان المناسب لقوله : فمات الصديق ومات العدو أن يذكر الأعداء مع الأصدقاء في البيت الأول فيقول : لنا أصدقاء مضوا مع عدا فيكون قوله في آخر البيت الثاني : فمات الصديق ومات العدو مطابقا لأول الأول ) « 1 » . وحكى بعض البرامكة قال : كنت توليت السند ، فأقمت بها ما شاء اللّه ، ثم اتصل بي أني صرفت عنها وقد كنت كسبت ثلاثين ألف دينار ، فخشيت أن يفجأني الصارف فيسمع بمكان المال فيطمع فيه ، فصغته عشرة آلاف إهليلجة ، في كل إهليلجة ثلاثة مثاقيل « 2 » ، ولم يمكث الصارف أن أتى ، فركبت البحر وانحدرت إلى البصرة ، فخبرت أن الجاحظ بها ، وأنه عليل بالفالج ، فأحببت أن أراه قبل موته ، فصرت إليه ، فأفضيت إلى باب دار لطيف فقرعته ، فخرجت إلي خادم صفراء فقالت : من أنت ؟ قلت : رجل غريب ، وأحب أن أسر بالنظر إلى الشيخ ، فبلغته الخادمة ، فسمعته يقول : قولي له : وما يصنع بشق مائل ، ولعاب سائل ، ولون حائل ، فقلت للجارية : لا بد من الوصول إليه ، فلما بلّغته . . قال : هذا رجل اجتاز بالبصرة ، فسمع بعلتي ، فأراد الاجتماع بي ليقول : قد رأيت الجاحظ .

--> ( 1 ) « مرآة الجنان » ( 2 / 166 ) . ( 2 ) الإهليلج : شجر ينبت في الهند والصين ، ثمره على هيئة حب الصنوبر الكبار .