ابن أبي مخرمة
559
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
ثم أذن لي فدخلت فسلمت عليه ، فرد علي ردا جميلا وقال : من تكون أعزك اللّه ؟ فانتسبت له فقال : رحم اللّه أسلافك وآباءك السمحاء ، فلقد كانت أيامهم رياض الأزمنة ، ولقد انجبر بهم خلق كثير ، فسقيا لهم ورعيا ، فدعوت له وقلت : أسألك أن تنشدني شيئا من الشعر ، فأنشدني : [ من الطويل ] لئن قدّمت قبلي رجال فطالما * مشيت على رسلي فكنت المقدّما ولكنّ هذا الدهر تأتي صروفه * فتبرم منقوضا وتنقض مبرما ثم نهضت ، فلما قاربت الدهليز . . قال : يا فتى ؛ أرأيت مفلوجا ينفعه الإهليلج ، قلت : لا ، قال : إن الإهليلج الذي معك ينفعني ، فابعث لي منه ، فقلت : نعم ، وخرجت متعجبا من وقوعه على خبري مع كتماني ، وبعثت إليه مائة إهليلجة . وتوفي الجاحظ سنة خمس وخمسين ومائتين . 1259 - [ الخليفة المهتدي باللّه ] « 1 » الخليفة المهتدي باللّه محمد بن الواثق هارون بن المعتصم باللّه محمد بن هارون الرشيد العباسي . بقي الأمر بعد خلع المعتز لا قائم به حتى سار محمد بن الواثق المذكور من بغداد إلى سر من رأى ، فوافاها يوم الأربعاء لليلة مضت من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين ، فبويع له بها . وقد ذكرنا في فصل الحوادث أن موسى بن بغا ورد من الجبل إلى سر من رأى في أول سنة ست وخمسين « 2 » ، وقتل صالح بن وصيف التركي ، ورجع إلى الجبل ولم يغير حالا على المهتدي ، وأن المهتدي قبض على بايكباك ، فتشعب عليه الأتراك ، فقتله ورمى برأسه إليهم ؛ ظنا منه أنهم يسكنون إذا رأوا رأسه ، كما اتفق للمنصور مع أصحاب أبي مسلم ، فاشتد تشعب الأتراك وخرجوا على المهتدي ، فلبس السلاح ، وشهر سيفه ، وحمل
--> ( 1 ) « تاريخ الطبري » ( 9 / 440 ) ، و « المنتظم » ( 7 / 88 ) ، و « الكامل في التاريخ » ( 6 / 282 ) ، و « سير أعلام النبلاء » ( 12 / 535 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 19 / 326 ) ، و « البداية والنهاية » ( 11 / 28 ) ، و « النجوم الزاهرة » ( 3 / 26 ) ، و « تاريخ الخلفاء » ( ص 427 ) ، و « شذرات الذهب » ( 3 / 250 ) . ( 2 ) بل سيذكر ، انظر ( 2 / 577 ) .