ابن أبي مخرمة
521
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
على اليمن ، وأنا أكبر من كعب بن سور - بضم السين - الذي وجهه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قاضيا على أهل البصرة ، فجعل جوابه احتجاجا . وغلب يحيى على المأمون ، وأخذ بمجامع قلبه ، فقلده القضاء الأكبر ، وتدبير مملكته ، فكانت الوزراء لا تعمل شيئا إلا بعد مطالعته ، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي المأمون وولي المعتصم ، فعزله عن القضاء ، وجعل مكانه أحمد بن أبي دؤاد . قال طلحة بن محمد الشاهد : ولا نعلم أحدا غلب على سلطانه في زمانه إلا يحيى بن أكثم ، وأحمد بن أبي دؤاد . وسئل بعض البلغاء عن أنبلهما فقال : كان أحمد يجد مع جاريته وابنه ، ويحيى يهزل مع خصمه وعدوه . وكان يحيى سليما من البدعة ، وينتحل مذهب أهل السنة ، وله يوم عظيم في الإسلام ؛ وذلك أن المأمون أمر بالنداء بتحليل المتعة - يعني متعة النساء - فدخل عليه القاضي يحيى مظهرا الكآبة ، فقال له المأمون : ما لي أراك متغيرا ؟ فقال : غما يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام ، قال : وما حدث في الإسلام ؟ قال : النداء بتحليل الزنا ، قال : الزنا ؟ قال : نعم المتعة زنا ، قال : ومن أين قلت هذا ؟ قال : من كتاب اللّه ، وحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قال اللّه تعالى : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إلى قوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ * . يا أمير المؤمنين ؛ زوجة المتعة ملك اليمين ؟ قال : لا ، قال : فهي الزوجة التي عند اللّه ترث وتورث ، ويلحق منها الولد ، ولها شرائط ؟ قال : لا ، قال : فقد صار متجاوز هذين من العادين ، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد اللّه والحسن ابني محمد ابن الحنيفة عن أبيهما عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال : أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان قد أمر بها . فالتفت المأمون إلى محمد بن منصور وأبي العيناء - وكانا حاضرين المجلس - وقال : أمحفوظ هذا من حديث الزهري ؟ فقالا : نعم يا أمير المؤمنين ، رواه جماعة منهم مالك بن أنس ، فقال : أستغفر اللّه ، نادوا بتحريم المتعة . فنادوا بها .