ابن أبي مخرمة
444
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
فتوبوا إلى ربكم من نكثكم ، ولا تعاودوا من فعل مثل هذا فيضيق عنه العفو ، ثم أمر بإحراق الصناديق ولم يفتحها « 1 » . وفيها : بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل بواسط ، وأقام بها بضعة عشر يوما ، وقام أبوها الحسن بن سهل أمير المأمون بمصالح الجيش جميعه تلك الأيام ، وغرم خمسين ألف ألف درهم ، وكان العسكر خلقا لا يحصى ، فلم يكن فيهم من اشترى لنفسه ولا لدوابه حتى على الحمالين والمكارية والملاحين ، وكل من حضر في ذلك العسكر ، يقال : بلغ غرم الحسن بن سهل في ذلك خمسين ألف ألف درهم ، وكان عرس لم يسمع بمثله في الدنيا ، نثر فيه على الهاشميين والقواد والوجوه والكتاب بنادق مسك فيها رقاع بأسماء ضياع ، وأسماء جوائز ، ودواب وغير ذلك ، وكل من وقع في حجره شيء منها ملك ما هو مكتوب فيها من هذه المذكورات من ضيعة أو غيرها ، ثم نثر على عموم الناس بعد ذلك الدراهم والدنانير ، ونوافج المسك ، وبيض العنبر ، وفرش للمأمون حصير منسوج بالذهب ، فلما جلس عليه . . نثرت على قدميه لآلئ كثيرة ، فلما رأى تساقط اللآلي المختلفة على الحصير المنسوج بالذهب . . قال : قاتل اللّه أبا نواس ، كأنه شاهد هذه الحالة حيث يقول في صفة الخمرة والحباب الذي يعلوها عند المزاج : [ من البسيط ] كأن صغرى وكبرى من فواقعها * حصباء درّ على أرض من الذهب وقد غلّط النحويون أبا نواس في هذا البيت ؛ لذكره ( فعلى ) أفعل التفضيل من غير إضافة ولا تعريف . ثم إن المأمون أطلق للحسن بن سهل خراج فارس والأهواز مدة سنة بعد أن وصله بعشرة آلاف ألف درهم ، ووهب لولده ألف ألف درهم ، وأقطعه الصلح ، وقالت الشعراء والخطباء في ذلك فأطنبوا ، ومما يستطرف فيه قول محمد بن حازم : [ من مجزوء المديد ] بارك اللّه للحسن * ولبوران في الختن يا بن هارون قد ظفر * ت ولكن ببنت من فلما نمي هذا الشعر إلى المأمون . . قال : واللّه ؛ ما ندري خيرا أراد أم شرا . ودخل المأمون على بوران الليلة الثالثة من وصوله ، فلما جلس . . نثرت عليه خدمها ألف درة كانت في طينة ذهب ، وفي المجلس بنات الملوك من أخوات المأمون وعماته
--> ( 1 ) « تاريخ الطبري » ( 8 / 603 ) ، و « المنتظم » ( 6 / 199 ) ، و « الكامل في التاريخ » ( 5 / 541 ) .