ابن أبي مخرمة
423
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
قال : فبينما نحن كذلك ؛ إذ دخل الحاجب فقال : عباس بالباب ، فقال : ائذن له ، فدخل ، فقال : يا عباس ؛ تسرق معاني الشعر وتدعيه ؟ فقال : ما سبقني إليه أحد ، فقال : هذا الأصمعي يحكيه عن العرب والعجم ، ثم قال : يا غلام ؛ ادفع الجائزة إلى الأصمعي ، قال : فلما خرجنا . . قال العباس : كذبتني وأبطلت جائزتي ، فقلت : أتذكر يوم كذا وكذا ؟ ثم أنشأ يقول : [ من البسيط ] إذا وترت امرءا فاحذر عداوته * من يزرع الشوك لم يحصد به عنبا ويحكى عن الأصمعي أنه قال : مررت بالبادية ، فوجدت امرأة حسنة تنزع من بئر وتنشد : [ من الرجز ] أستغفر اللّه لذنبي كلّه * قتلت إنسانا لغير حلّة مثل غزال كانس في ظله * وقد مضى الليل ولم أمله والخمر مفتاح لهذا كلّه فقلت لها : قاتلك اللّه ما أفصحك وأبلغك ! فقالت : وهل ترك القرآن لذي فصاحة بلاغة ؟ ! فقلت لها : أتقرءين القرآن ؟ قالت : نعم ، وأعرف آية جمعت أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين ، فقلت : وما هي ؟ قالت : قوله تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . قال الأصمعي : قال لي الرشيد ليلة وهو يسير في قبة : حدثني ، قلت : يا أمير المؤمنين ؛ إن مزرد بن ضرار كان شاعرا مليحا ظريفا ، وإن أمه كانت تبخل عليه بزادها ، وإنها غابت عن بيتها يوما ، فوثب مزرد على ما في بيتها فأكله وقال : [ من الطويل ] ولما غدت أمي تزور بناتها * أغرت على العكم الذي كان يمنع خلطت بصاعي عجوة صاع حنطة * إلى صاع سمن فوقه يتربع ودبّلت أمثال الأثافي كأنها * رؤوس نقاد مزقت لا تجمع وقلت لبطني أبشر اليوم إنه * حمى أمنا مما تصد وتجمع فإن كنت مصفورا فهذا دواؤه * وإن كنت غرثانا فذا يوم تشبع فضحك الرشيد .