ابن أبي مخرمة
296
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
مولاها ، وقال : اشهدوا أنها حرة وقد تزوجتها ، فوهب له جعفر المال ولم يأخذ منه شيئا . وكان عنده يوما أبو عبيد الثقفي ، فقصدته خنفساء ، فأمر جعفر بإزالتها ، فقال أبو عبيد : دعوها عسى يأتي بقصدها إليّ خير ؛ فإنهم يزعمون ذلك ، فأمر له جعفر بألف دينار وقال : نحقق زعمهم ، فأمر بتنحيتها ثم قصدته ثانيا ، فأمر له بألف دينار أخرى . يقال : إنه لما حج . . اجتاز في طريقه بالعقيق ، وكانت سنة مجدبة ، فاعترضته امرأة وأنشدت : [ من الكامل ] إني عبرت على العقيق وأهله * يشكون من مطر الربيع نزورا ما ضرهم إذ جعفر جار لهم * ألا يكون ربيعهم ممطورا قيل : والبيت الثاني مأخوذ من قول الضحاك بن عقيل الخفاجي من جملة أبيات : ولو جاورتنا العام سمراء لم نبل * على جدبنا ألا يصوب ربيع فأجزل جعفر للمرأة المذكورة العطاء ، ومع ذلك فكان أخوه الفضل أجود منه . وكان جعفر متمكنا عند الرشيد ، غالبا على أمره ، وكان له عند الرشيد من علوّ القدر ونفاذ الأمر وعظم المحل وجلالة المنزلة ما لم يشاركه فيه غيره ، حتى إن الرشيد اتخذ ثوبا واحدا كان يلبسه هو وجعفر جملة . ومما يحكى من مكانته عند الرشيد : أن الرشيد غضب على عبد الملك بن صالح الهاشمي ، فاختلى جعفر يوما بأصحابه في مجلس أنس وقال لحاجبه : لا يدخل علينا أحد إلا عبد الملك القهرمان ، فجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي المذكور يستأذن على جعفر ، وكان ذا صيانة وديانة ، فظن الحاجب أنه الذي أمره جعفر بإدخاله ، فأدخله عليه ، فلما رآه جعفر . . تغير لونه ، فلما رآهم عبد الملك على تلك الحال ، وظهر له أنهم احتشموه . . أراد أن يرفع الخجل عنه وعنهم ، فقال : اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم ، فأتاه الغلام بثياب المنادمة ، ثم جلس يشرب معهم ، ولم يكن ذلك من شأنه ، وقال للساقي : خفف عني ؛ فإني ما شربته قط ، فتهلل وجه جعفر فقال له : هل من حاجة ؟ قال : نعم ، أمير المؤمنين غضبان علي ، فاسأله الرضى ، قال : قد رضي عنك أمير المؤمنين ، قال : وعلي أربعة آلاف ألف درهم تقضيها عني ، قال : هي حاضرة ، ولكن كونها من أمير المؤمنين أشرف بك ، وأدل على حسن ما عنده لك ، قال عبد الملك : وابني إبراهيم أريد أن أرفع قدره بصهر من أمير المؤمنين ، قال : قد زوجه أمير المؤمنين العالية ابنته ، قال : وأحب أن تخفق