ابن أبي مخرمة
272
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
فأعجب سيده عقله ، فقال لأمها : واللّه ؛ ما لها زوج غيره ، فزوجها منه ، فجاءت بالدرة الفاخرة ، المشتملة على المحاسن الباطنة والظاهرة . وقد تتبع أصحابه ما ظهر لهم من مناقبه فبلغت خمسا وعشرين ؛ من العلم ، والصلاح ، والكرم ، والشجاعة في سبيل اللّه ، وحسن الخلق ، والعبادة ، والنجابة ، والفصاحة ، وحسن اللفظ في النثر والنظم وغير ذلك . فمن شجاعته وصلاح سريرته : ما روي أنه خرج مرة في بعض الغزوات - وأظنه في أيام الرشيد - فبرز علج ، ودعا المسلمين إلى المبارزة ، فخرج إليه جماعة من المسلمين واحدا بعد واحد ، فقتلهم جميعهم ، فبرز عن الصفين في طلب المبارزة ، فأحجم الناس عن مبارزته ، حتى صاح : معاشر المسلمين ؛ تزعمون أن قتلاكم في الجنة ، كذبتم ، لو كان كذلك . . ما تخلفتم عن مبارزتي ، فطلب الرشيد من جماعة قواده وأبطال جنده مبارزته ، فلم يجبه أحد . . إذ برز من صف المسلمين فارس ملبس ملتثم ، لا يرى منه إلا عينيه ، فتجاول هو والعلج ساعة ، ثم قتل العلج ، وأسرع الكرة إلى صف المسلمين ، فانغمس بينهم ، ولم يعرفه أحد ، حتى قيل : إنما هو الخضر حضر القتال ، أو أحد من الملائكة ؛ كانت تقاتل مع المسلمين ، وبذل الرشيد لمن يدله على الرجل ؛ لينعم عليه بالعطايا السنية ، فلم يجد من يخبره به ، فاتفق أن بعض أصحاب عبد اللّه بن المبارك دخل إلى مضرب عبد اللّه - للسلام - على غفلة ، فوجده ينزع لباس الحديد عنه مسرعا فقال : أمير المؤمنين بذل الرغائب لمن دله على قاتل العلج ، وهو أنت يا إمام ؟ ! فقال : من عمل له يعلم قاتله ، ولا حاجة له إلى علم هارون الرشيد . ومن كرمه وشفقته على إخوانه وحسن صحبته : ما اشتهر عنه أنه كان إذا أراد الحج . . يأتيه إخوانه ، ويكلمونه في الصحبة ، فينعم لهم ، ويأخذ منهم ما أعدوه من النفقة ، ويكتب على كل نفقة اسم صاحبها ، ويقفل على الجميع في صندوق ، ثم يحج بهم ، وينفق عليهم ذهابا وإيابا من أطيب الأطعمة ، ويشتري لهم الهدية من الحرمين ، فإذا وصل إلى الوطن . . صنع طعاما نفيسا كثيرا ، فيه نحو خمسة وعشرين جفنة من الفالوذج - وهو نوع من الحلوى - فضلا عن غيره ، ثم يدعوهم ويدعو من سائر الفقراء والصالحين ، فإذا أكلوا . . كسا الذين حجوا معه لباسا جديدا ، ثم فتح الصندوق ورد إلى كل منهم نفقته التي عليها اسمه . وأما علومه : فقد كان الإمام المقدّم في الحديث ، وله مصنفات كثيرة ، سمع معمر بن