ابن أبي مخرمة

215

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

يقال : إن سبب اشتغاله بالنحو أنه قرأ على شيخه في الحديث حديث : « ما من أصحابي أحد إلا ولو شئت أخذت عليه ليس أبا الدرداء » فقرأه سيبويه : ليس أبو الدرداء ؛ ظنا منه أنها ليس الرافعة للاسم ، فصاح عليه شيخه حماد : لحنت ، ليس أبا الدرداء ، فأنف من ذلك ، وقال : لأطلبن علما لا يلحنني معه أحد ، فخرج إلى البادية ، وأخذ ذلك من أفواه العرب ، وأخذ النحو عن عيسى بن عمر ، ويونس بن حبيب ، والخليل بن أحمد ، وأخذ اللغة عن أبي الخطاب الأخفش وغيره . وصنف كتابه المشهور ، وقدمنا في ترجمة شيخه عيسى بن عمر أن سيبويه أخذ كتابه من أحد كتابي شيخيه « 1 » . قال المبرد : لم يقرأ أحد « كتاب سيبويه » عليه ، وإنما قرئ بعده على أبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش ، قيل : كان الأخفش أسن من سيبويه . ووقع بينه وبين الكسائي اختلاف بحضرة يحيى بن خالد في قول العرب : كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي ، أو فإذا هو إياها ، قال سيبويه بالأول ، وقال الكسائي بالثاني ، فقال البرمكي : أنتما إمامان ، ولا يمكن ترجيح قول أحدكما ورد الآخر ، فقال سيبويه : اطلب العرب واستنطقهم ، فمن نطقوا بمقتضى قوله . . كان الصواب معه ، فقال : أنصفت ، فيقال : إنه جعل للعرب أن ينطقوا بما قاله الكسائي ؛ لكونه مؤدب أولاد الرشيد ، فقالوا : لا يمكننا النطق بغير الصواب ، فاتفقوا على أن يسألوا على أن فلانا قال كذا ، وفلانا قال كذا ، فتقول العرب : الصواب مع الكسائي ، ففعلت ذلك العرب ، فصاح سيبويه : استنطقوهم بذلك ، وانفض المجلس ، فتعب من ذلك ، ويقال : إنه كان سبب موته . فتوفي سنة إحدى وستين ومائة - قال : ابن دريد : بشيراز ، وقال ابن قانع : بالبصرة - وعمره ثمان وثلاثون سنة « 2 » . وقيل له في مرضه الذي مات فيه : ما تشتهي ؟ فقال : أشتهي أن أشتهي ، قال الشيخ اليافعي : ( كأنه أشار إلى أن المرض حال بينه وبين الشهوات ) « 3 » .

--> ( 1 ) انظر ( 2 / 168 ) . ( 2 ) في تاريخ وفاته أقوال ، رجح الذهبي في « سير أعلام النبلاء » ( 8 / 352 ) أنه توفي سنة ( 180 ه ) . ( 3 ) « مرآة الجنان » ( 1 / 348 ) .