ابن أبي مخرمة

124

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

أن أحكمها وضبطها ، وقاد بها جيشا هائلا ، ومهد لبني العباس بعد أن قتل أمما لا يحصون محاربة وصبرا ، فكان حجاج زمانه . وحج فأمر مناديا في طريق مكة : برئت الذمة من رجل أوقد نارا بعسكر الأمير ، فما زال يغدّي الركب ويعشيهم حتى بلغ مكة ، وأوقف في المسعى خمس مائة وصيف على رقابهم المناديل يسقون الناس الأشربة من سعى من الحاج بين الصفا والمروة ، ولما وصل الحرم . . نزل وخلع نعله ومشى حافيا تعظيما للحرم . وبلغه موت السفاح وهو وأبو جعفر في الطريق راجعين من الحج ، فجهزه المنصور لمحاربة عمه عبد اللّه بن علي ، وكان قد دعا إلى نفسه ، وزعم أن السفاح عهد إليه الأمر ، وأقام بذلك شهودا ، فالتقى هو وأبو مسلم بنصيبين ، فاقتتلا أشد القتال ، ثم انهزم عبد اللّه بن علي إلى البصرة وبها أخوه ، وحاز أبو مسلم خزائنه ، وكان فيها ما لا يحصى من الأموال والذخائر ؛ لأن عبد اللّه بن علي كان قد استولى على جميع أموال بني أمية وذخائرهم ، فكتب المنصور أخو السفاح إلى أبي مسلم : أن احتفظ بما في يدك ، فصعب ذلك على أبي مسلم ، وعزم على خلع المنصور ، وسار إلى خراسان ، فلم يزل المنصور يستعطفه ويمنيه حتى وصل إلى بين يديه ، وكان قد صدر من أبي مسلم إساءات وقضايا غير ما ذكرناه غيرت قلب المنصور عليه . منها : كان إذا كتب إلى المنصور . . بدأ بنفسه . ومنها : أنه خطب إليه عمته آسية ، وزعم أنه من ولد سليط بن عبد اللّه بن عباس ، فعزم المنصور على قتله ، فقال المنصور لسالم بن قتيبة بن مسلم الباهلي : ما ترى في أبي مسلم ؟ فقال : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فقال : حسبك يا ابن قتيبة ، لقد أودعتها أذنا واعية ، وكان قد حج أبو مسلم في تلك السنة أيضا ، فلما رجع من حجه . . دخل على المنصور ، فرحب به ثم أمره بالانصراف إلى مخيمه ، وانتظر المنصور فيه الفرص والغوائل ، ثم إن أبا مسلم ركب إليه مرارا وهو يظهر له التحنن ، ثم جاءه يوما ، فقيل له : إنه يتوضأ ، فقعد له تحت الرواق ، ورتب المنصور له جماعة يقفون وراء الستر ، ثم إذا عاتبه وضرب يدا على يد . . خرجوا عليه وضربوا عنقه ، ثم جلس المنصور وأذن له ، فدخل فسلم ، فرد المنصور وأمره بالجلوس ، وحادثه ثم عاتبه ، فقال : فعلت وفعلت يعدد عليه زلاته ، فقال أبو مسلم : لي هذا بعد سعيي واجتهادي وما كان مني ؟ ! فقال : يا ابن الخبيثة ؛ إنما فعلت ذلك بجدنا وحظنا ، ولو كان مكانك أمة سوداء . . لعملت عملك ،