ابن أبي مخرمة
125
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
ألست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك قبلي ؟ ! ألست الكاتب تخطب عمتي آسية ، وتزعم أنك من ولد سليط بن عبد اللّه بن عباس ؟ ! لقد ارتقيت - لا أم لك - مرتقى صعبا ، فأخذ أبو مسلم يده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه ، فقال له المنصور وهو آخر كلامه : قتلني اللّه إن لم أقتلك ، ثم صفق بإحدى يديه على الأخرى ، فخرج إليه الذين أعدهم وراء الستر ، فخبطوه بسيوفهم حتى مات ، وذلك برومية المدائن لخمس بقين من شعبان من سنة سبع وثلاثين ومائة ، ولما قتله . . أدرجه في بساط ، فقال له جعفر بن حنظلة : عدّ - يا أمير المؤمنين - هذا اليوم أول خلافتك ، ثم أقبل المنصور على من حضره وأبو مسلم طريح بين يديه وأنشد : [ من السريع ] زعمت أن الدين لا ينقضي * فاستوف بالكيل أبا مجرم فاشرب بكأس كنت تسقي بها * أمرّ في الحلق من العلقم وكان المنصور بعد ما قتل أبا مسلم كثيرا ما ينشد جلساءه : [ من الطويل ] وأقدم لما لم يجد عنه مذهبا * ومن لم يجد بدا من الأمر أقدما قيل : ومن هنا أخذ البحتري قوله في مدح الفتح بن خاقان صاحب المتوكل على اللّه وقد لقي أسدا في طريقه ، فلم يقدر عليه ، ثم أقدم عليه فقتله الفتح ، والمقصود منه قوله : [ من الطويل ] فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا * وأقدم لما لم يجد عنك مهربا كان أبو مسلم فصيحا بالعربية والفارسية ، خافض الصوت ، حلو المنطق ، راوية للشعر ، عالما بالأمور ، لم ير ضاحكا ولا مازحا إلا في وقته ، ولا يكاد يغضب ، تأتيه الفتوحات العظام ، فلا يظهر عليه أثر السرور ، وتنزل به الحوادث الفادحة فلا يرى مكتئبا ، إذا غضب . . لم يستفزه الغضب ولا يأتي النساء في السنة إلا مرة ، وكان من أشد الناس غيرة ، قيل له : بم بلغت ما بلغت ؟ قال : ما أخرت أمر يومي إلى غدوة . وكان ينظر في الملاحم ، فوجد فيها خبره ، وأنه يميت دولة ويحيي دولة ، وأنه يقتل في بلاد الروم ، فقتله المنصور برومية المدائن التي بناها الإسكندر ذو القرنين ، وكان قد طاف الأرض شرقا وغربا ، ولم يختر منها منزلا سوى المدائن ، فنزلها وبنى رومية المذكورة ، ولم يخطر ببال أبي مسلم أنها موضع قتله ، بل راح وهمه إلى بلاد الروم ، فسبحان من لا يزول ملكه .