جلال الدين السيوطي
558
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
كان الغالب عليه ، والجالب من أقطار البلاد إليه ، وله مصنّفات فيه ، وكان كلما زاد كتابا زاد فيه بزيادة عمره ، ولا يحلّ منه إلا بحلول قبره . واشتهر في إقرائه بحدة الخلق والسّبّ لأئمة النحو وغيرهم ممن يعرض له ذكر ، لا يبالي من وضع فيه لسانه ، شانه ذلك أم زانه ، وفي هذا يقول ابن عقبة الطبيب ، وكان ربّما ألمّ بمجلسه إلمام الرقيب : تجنّب إن رشدت أبا علي * ولا تقربه ما بين الأنام ونكّب نحوه إن كنت تأبى * وتأنف همة سقط الكلام يمدّ الرّجل في الإقراء جهلا * ويشتم سيبويه بلا احتشام وإن باراه معترض بحقّ * سمعت لديه غوغاء الطغام واتفق له مع ابن الصابونيّ الشاعر الحكاية المشهورة ، وذلك أنّ ابن الصابونيّ كان يلقّب بالحمار ، ويغتاظ من ذلك ، فبينما هو يوما يقرأ عليه في كتاب الإيضاح إذ مرّت مسألة « السمن منوان بدرهم » وتشعّبت المذاكرة إلى أن اغتاظ أبو علي عليه ، فزحف إليه من صدر المجلس ، وهو يقول له : يا حمار ، يا حمار ، وجعل يضعّف إلى أن قال : يا مائة ألف حمار ، يا ملء الأرض حميرا ، وجعل أصبعيه في أذنيه ، ونهق وهو يزحف إليه حتى اجتمعت العامة على باب المسجد ، وكانت حاله مضحكة . وكان أبو العلاء بن المنصور قد جعله يحضر مجلس المذاكرة في المذاهب ، فوضع لسانه في أئمة المذاهب في الفقه ، فمنع من الحضور ، وقيل له : إنّك لا تترك عادتك ، وأئمة الفقه ليسوا كأئمة النحو ، ويخشى عليك أن تتعرّض لسفك دمك . وله نظم ، اشتهر منه قوله في صبيّ اسمه قاسم ، وهو مما سمعته منه ، وكتبته عنه للإغراب بمنزعه وهو قوله : ومما شجا قلبي وفضّ مدامعي * هوى قدّ قلبي إذ كلفت بقاسم وكنت أظنّ الميم أصلا فلم تكن * وكانت كميم ألحقت في الزراقم