جلال الدين السيوطي
533
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
قال ياقوت : كان ابن السّكّيت عالما بنحو الكوفيين وعلم القرآن واللغة والشعر راوية ثقة . أخذ عن البصريين والكوفيين كالفرّاء ، وأبي عمرو الشيباني ، والأثرم ، وابن الأعرابيّ . وكان شيعيّا ولا حظّ له من السّنن . وله تصانيف كثيرة في النحو ومعاني الشعر وتفسير دواوين العرب ، زاد فيها على من تقدّمه ، ولم يكن بعد ابن الأعرابيّ مثله . وحضر مرة عند ابن الأعرابيّ ، فحكى شيئا فعارضه يعقوب ، وقال : من يحكي هذا ، أصلحك الله ؟ فقال له ابن الأعرابيّ : ما أشدّ حاجتك إلى من يفرك أذنك ثم يصفعك . فأطرق يعقوب حتى سكت ابن الأعرابيّ ، ثم قال له : ما كان يسرّني أنّ هذه البادرة بدرت منك إلى غيري ، ثم لم تحتملها . فرأينا الانكسار فيه والاستكانة . ثم ابتدأ يقرأ عليه ، فاستمع لقراءته إلى أن أمسك يعقوب من تلقاء نفسه ، ولم يزل يقرأ ثانية ، ويقرأ عليه كلّ يوم ما يريد إلى أن فرّق بينهما الدهر ، فكان أبو العباس ثعلب يقول : ما كان أعظم بركة ذلك المجلس وذلك اليوم . قال عبد الله بن عبد العزيز : شاورني ابن السّكّيت فيما دعاه المتوكّل إليه من منادمته ، فنهيته ، فلم يقبل قولي ، وحمله على الحسد ، وأجاب إلى ما دعي إليه ، فبينما هو مع المتوكّل في بعض الأيام إذ مرّ ولداه المعتزّ والمؤيّد ، فقال له : يا يعقوب ، أيّما أحبّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين ؟ فغضّ يعقوب من ابنيه ، وقال : قنبر - يعني مولى علي - خير منهما . وأثنى على الحسن والحسين بما هما أهله . فأمر المتوكّل الأتراك ، فداسوا بطنه ، فحمل إلى داره ، فعاش يوما وبعض اليوم ، ومات ، وقيل : بل حمل ميتا في ساعته . وقيل : سلّوا لسانه من قفاه ، فمات ، وذلك يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين ، ووجّه المتوكّل إلى ولده بديته . وقيل : كانت وفاته سنة ثلاث . وقيل : سنة ستّ وأربعين ، وقد بلغ من العمر ثمانيا وخمسين سنة ، وقال عبد الله بن عبد العزيز في ذلك :