جلال الدين السيوطي

713

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

قلت : قد سمعته ينشد هذا في مجالس الأنس . قال : يا سبحان الله ، ويستحيي أن ينشد مثل هذا حول الكعبة ؟ ما تسمع الناس يقولون في نسبه ؟ قلت : يقولون : هو من الأزد أزد شنوءة ، ثم من ثمالة . قال : أتعرف الذي يقول : سألنا عن ثمالة كلّ حيّ * فقال القائلون : ومن ثماله فقلت : محمد بن يزيد منهم * فقالوا زدتنا بهم جهاله فقال لي المبرّد خلّ قومي * فقومي معشر فيهم نذاله قلت : أعرف هذه الأبيات لعبد الصمد بن المعذّل يقولها فيه . قال : كذب والله ، هذا كلام رجل لا نسب له ، يريد أن يثبت له بهذا الشعر نسبا . قلت : أنت أعلم . قال لي : يا هذا قد غلبت بخفة روحك على قلبي ، وتمكّنت بفصاحتك من استحساني ، وقد أخّرت ما كان يجب أن تقدمه : الكنية ، أصلحك الله . قلت : أبو العباس . قال : فالاسم . قلت : محمد . قال : فالأب . قلت : يزيد . قال : أحوجتني إلى الاعتذار إليك مما قدّمت ذكره . ثم قال : يا أبا العباس ، صن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع ، فليس يتهيّأ لك في كلّ وقت أن تصادف مثلي على هذه الحال الجميلة ؛ أنت المبرّد . وجعل يصفّق ، وانقلبت عيناه ، وتغيّرت خلقته ، فبادرت مسرعا خوفا من أن تبدو منه بادرة ، وقبلت قوله ، فلم أعاود الدخول إلى ذلك الموضع . أورد هذه الحكاية السيرافيّ في كتابه ، والمرزبانيّ في مقتبسه ، وابن أبي الأزهر في حدائق المجالس ، وياقوت في معجمه . وأخرج ابن النجّار في تاريخه عن أبي الحسن بن حذيفة البستي قال : كان لي ميعاد من أبي العباس المبرّد في يوم معلوم ، فكتب إليّ في يوم بارد : أطال الله بقاءك ، كرهت أن أجمع عليك في هذا اليوم البرد والمبرّد . وأخرج ابن النجّار عن أبي ذرّ عمّار بن محمد التميميّ ، قال : أنشدنا أبي ، قال : أنشدنا المبرّد لنفسه :