جلال الدين السيوطي
714
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
دموع العين ألسنة الضمير * تخبر عن مخبّأة الصدور إذا ما الصبر همّ بحفظ سرّ * تكلّمت العيون عن الضمير وأخرج ابن النجّار عن محمد بن يحيى بن عبيد الله الخاقانيّ ، قال : انصرفت من مجلس أبي العباس البرتيّ ، فدخلت إلى أبي العباس المبرّد ، فسأله رجل عن شيء ، فقال له : لا أدري . ثم قال له : سألت غيري ؟ قال : نعم ، فسألت أبا العباس ثعلبا . قال : فما قال لك ؟ قال : لا أدري . قال له المبرّد : فما لا يدريه وقد قلت أنّي لا أدريه لم تفاخر به . قال ياقوت : كانت العداوة شائعة بين ثعلب والمبرّد حتى ضرب ذلك الشعراء مثلا في أشعارهم ، فقال بعضهم : كفى حزنا أنّا جميعا ببلدة * ويجمعنا في أرضها شرّ مشهد وكلّ لكلّ مخلص الودّ آمن * ولكننا في جانب يمنه مفرد نروح ونغدو لا تزاور بيننا * وليس بمضروب لنا فيه موعد فأبداننا في بلدة والتقاؤنا * عسير كلقيا ثعلب والمبرّد في بعض المجاميع ، قال بعضهم : كنت عند المبرّد ، فأنشد : أعار البحر نائله * إذا ما ماؤه نفدا وإن أسد شكا جبنا * أعار فؤاده الأسدا فخرجت أردّدهما ، فإذا أنا بمجنون ، فقال لي : ما أنشدكم باردكم المبرّد اليوم ؛ فإنّه بالأخبار أعلم منه بالأشعار ؟ أما يعلم أنّه إذا أعار البحر نائله بقي بلا نائل وإذا أعار الأسد فؤاده بقي بلا فؤاد ؟ قلت : فما الذي يعجبك ؟ قال : قول القائل : علم البحر الندى حتى إذا * ما حكاه علّم البأس الأسد فله البحر مقرّ بالندى * وله الليث مقرّ بالجلد قال : فانصرفت إلى المبرّد من الغد ، فذكرت ذلك له ، فضحك ، وقال : أو ما تعرفه ؟