جلال الدين السيوطي
710
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
المبرّد في معاني القرآن فيما ليس فيه قول لمتقدّم . قال : وسمعته يقول : لقد فاتني منه علم كثير لقضاء ذمام ثعلب . قال : وسمعت نفطويه يقول : ما رأيت أحفظ للأخبار بغير أسانيد منه ، ومن أبي العباس بن الفرات . وكذلك خبرنا أبو بكر بن السّرّاج عن محمد بن خلف وكيع ، وكان بينه وبين أبي العباس ثعلب من المنافرة ما لا خفاء به ، وأكثر أهل التحصيل يفضّلونه . وأخرج الخطيب عن أبي الحسن العروضيّ ، قال : قال لي أبو إسحاق الزّجّاج : لما قدم المبرّد بغداد أتيته لأناظره ، وكنت أقرأ على أبي العباس ثعلب ، وأميل إلى قولهم - يعني الكوفيين - فعزمت على إعناته ، فلما فاتحته ألجمني بالحجة ، وطالبني بالعلة ، وألزمني إلزامات لم أهتد لها ، فتبيّنت فضله ، واسترجحت عقله ، وجددت في ملازمته . وأخرج الخطيب عن أبي علي الكواكبيّ ، قال : قال لي أبو العباس المبرّد : كنت أناظر بين يدي جعفر بن القاسم ، فكان يقول : أراك عالما اليوم . فكان هذا يحفظني ، فلما رأى ذلك مني ، قال : قولي لك : أراك عالما اليوم ، ليس أنّك عندي قبل اليوم على غير هذه الحال ، ثم انتقلت إليها ، ولكن على قول الله تعالى : وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ [ سورة الانفطار ، الآية : 19 ] وإن كان الأمر اليوم ويومئذ لله . وأخرج الخطيب عن أبي عبد الله المفجع ، قال : كان المبرّد لعظم حفظه اللغة واتساعه فيها يتهم بالكذب ، فتواضعنا على حيلة لا أصل لها ، لنسأله عنها ، لننظر كيف يجيب ، وكنّا قبل ذلك قد تمارينا في عروض بيت الشاعر : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا فقال بعضنا : هو من البحر الفلانيّ . وقال آخرون : هو من البحر الفلانيّ ، فقطّعناه ، وتردّد على أفواهنا من تقطيعه « قبعضنا » فقلت له : أنبئنا أيّدك الله ، ما « القبعض » عند العرب ؟ فقال المبرّد : القطن ، يصدق ذلك قول أعرابيّ : كأنّ سنامها حشى القبعضا فقلت لأصحابي : هو ذا ترون الجواب والشاهد إن كان صحيحا فهو عجيب وإن