جلال الدين السيوطي
660
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
فقال : إنّما كان مولانا عضد الدولة . فقام الشيخ أبو علي قائما ، وقال : لو لم أجد من حلاوة العلم إلا هذا لكان فضلا كبيرا . ثم رفع يديه نحو السماء ، وقال : أكرمك الله الذي أكرمتني لأجله . وجعل يكرره . في تذكرة ابن مكتوم عن ابن جنّي : كان أبو علي إذا قعد في درسه لا يرى العالم إلا دونه ، وما كان يفكّر في أحد ، وكان فوق كلّ من نظر في هذا العلم ، ولو عاش أبو بكر ، وأبو العباس ، وطبقتهما لأخذوا عنه ، ولو أدركه الخليل وسيبويه لكانا يتجمّلان به ويقرّان له بالفضل . وفيها : قال صاعد في الفصوص : كان أبو علي يقول لي : كلما عملت شعرا تجوّد فيه ، فاعرضه عليّ ، وأمتعني به ، فأني لأعجب ممن يقدر على نظم الكلام الحسن وتخيّر الألفاظ والمعاني ، ورمته في صغري فلم يسنح لي فيه شيء أرضاه ، وحرمته . فقلت : أيّها الشيخ ، فهل نظمت شيئا قط ؟ قال : استر ما ستر الله . فعلمت أنّه نظم ، ولكنّه لا يرضى به ، قلت : فلو أنشدتني منه شيئا ؟ قال : من هذا فررنا ، ولكني أنشدك شيئا قلته في الخضاب على أن تكتمه ولا تذيعه . قلت : عليّ ذلك . فأنشدني : خضبت الشيب لما كان عيبا * وخضب الشيب أولى أن يعابا ولم أخضب مخافة هجر خلّ * ولا عيبا خشيت ولا عتابا ولكني خشيت يراد مني * عقول ذوي المشيب فلن يصابا فأخذتها عنه ، ولم أذعها ببغداد حتى خرجت . قال ياقوت : أخبر أبو الحسن علي بن عمر الفرّاء عن أبي الحسين نصر بن أحمد بن نوح المقرئ ، قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن عبيد الله السمسميّ اللغويّ ببغداد ، قال : أخبرنا أبو علي الفارسيّ ، قال : جئت إلى أبي بكر بن السّرّاج لأسمع منه الكتاب ، وحملت إليه ما حملت ، فلما انتصف الكتاب عسر عليّ في تمامه ، فقطعت عنه لتمكني من الكتاب ، فقلت لنفسي بعد مدة : إن سرت إلى فارس ، سئلت عن تمامه ، فإن قلت : نعم ، كذبت ، وإن قلت : لا ، سقطت الرواية والرحلة ، ودعتني الضرورة ، فحملت إليه رزمة ،