جلال الدين السيوطي
649
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
ففسّرها ، ثم مرّ في الكتاب كلّه على ذلك : يقرأ الرجل ويفسّر الفرّاء ، وكتابه في القرآن في نحو ألف ورقة . قال ثعلب : كتب الفرّاء لا يوازى بها كتاب . وفي معجم ياقوت : حدّث أبو سعيد السّكّريّ عن إسماعيل اليزيديّ ، قال : كان الفرّاء يحبّ الكلام ولم يكن له فيه حظّ ، وكان يميل إلى الاعتزال . قال : وحدّث سلمة بن عاصم قال : سمعت الفرّاء ما لا أحصي يقول : أنا أرحم اثنين : بليدا يطلب ولا يدرك ، وذكيّا لا يطلب ولا يتعلّم . قال : وحدّث صعود النحويّ ، قال : قال الفرّاء : نعمه الله تجهل مقته ، وتعرّف طاعته . قال الصوليّ : وهذا كلام يؤنس معه منه . قال : وحدّث سلمة قال : سمعت الفرّاء يقول : سألني طاهر بن الحسين أن أصحبه إلى خزانة يرغب في مثلها ، فأبيت . قلت : ولم ؟ قال : لأنّه يعلّم من كنت ترى أنّه عالم . قال : وحدّث محمد بن الجهم السمريّ أنّ طاهر بن الحسين أو ابنه عبد الله وقّع على كتاب « البهي » الذي عمله الفرّاء : إنّ البهيّ كتاب ليس يفهمه * إلا المواظب لا المشغول باللعب قال : وقال ثعلب : كان السبب في إملاء الفرّاء « الحدود » أنّ جماعة من أصحاب الكسائيّ صاروا إليه ، وسألوه أن يملي عليهم أبيات النحو ، ففعل ، فلما كان المجلس الثالث : قال بعضهم لبعض : إن دام هذا على هذا علّم النحو الصبيان ، والوجه أن نقعد عنه . فقعدوا ، فغضب وقال : سألوني القعود فلما قعدت تأخّروا والله لأملينّ النحو ما اجتمع اثنان . فأملى ذلك ستّ عشرة سنة ، ولم ير بيده كتاب إلا مرّة واحدة . قال : وحدّث التاريخيّ ، قال : كنا عند محمد بن الجهم نقرأ عليه كتاب معاني القرآن عن الفرّاء وبين يديه سلّة فيها كتب الفرّاء ، فقال : يا حبّذا ما حوت السّلّة * من كتاب القرآن والملة