جلال الدين السيوطي

648

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

وفي طبقات الزبيديّ : قال ثعلب : العرب تخرج الإعراب على الألفاظ دون المعاني ، ولا يفسد الإعراب المعنى ، فإذا كان الإعراب يفسد المعنى ، فليس من كلام العرب . وإنّما صحّ قول الفرّاء لأنّه يحمل العربيّة والنحو على كلام العرب ، فقال : كلّ مسألة وافق إعرابها معناها ومعناها إعرابها فهو الصحيح ، وإنّما لحق سيبويه الغلط لأنّه يحمل كلام العرب على المعاني ، وحكى عن الألفاظ ولم يوجد في كلام العرب ولا في أشعار الفحول إلا ما المعنى فيه مطابق للإعراب والإعراب مطابق للمعنى . قال : وما نقله هشام عن الكسائيّ فلا مطعن فيه ، وما قاسه فقد لحقه الغمز لأنّه سلك بعض سبيل سيبويه ، فحمل العربيّة على المعاني ، وترك الألفاظ ، والفرّاء يحمل العربيّة على الألفاظ والمعاني ، فبرع واستحقّ التقدمة ، وذلك كقولك : « مات زيد » ولو عاملت المعنى لقلت : « مات زيدا » لأنّ الله هو الذي أماته ، ولكنّك عاملت اللفظ ، فأردت « سكنت حركات زيد » . وقال ثعلب : صحّف الفرّاء في بيت العجّاج : حتى إذا أشرف في جوف حبا فقال : في جوف جبا . قال ثعلب : وأدركنا العلماء يؤدون في العلم أقاويل العلماء ، ثم تكون العلل بعد ، ثم رأينا الناس بعد ذلك يتكلّمون في العلم بآرائهم ، ويقولون : نحن نقول ، فيأتون بالكلام على طباعهم ، وبحسب ما يحسن عندهم ، وهذا سبب ذهاب العلم وبطلانه . وقال ثعلب : كان السبب في إملاء الفرّاء كتابه في القرآن - وهو كتاب لم يعمل قبله ولا بعده مثله ؛ لأنّه لا يتهيأ لأحد من الناس جميعا أن يزيد فيه شيئا - أنّ عمر بن بكير - وكان من أصحابه - كان مع الحسن بن سهل ، فكتب إليه أنّ الأمير الحسن لا يزال يسألني عن أشياء من القرآن لا يحضرني جواب عنها ، فإن رأيت أن تجمع لي أصولا أو تجعل في ذلك كتابا نرجع إليه . فقلت : فلما قرأ الكتاب ، قال لأصحابه : اجتمعوا حتى أملّ عليكم كتابا في القرآن . وجعل لهم يوما ، فلما حضروا ، خرج إليهم وكان في المسجد رجل يؤذّن فيه ، وكان من القرّاء ، فقال له : اقرأ . فبدأ بفاتحة الكتاب ،