جلال الدين السيوطي
644
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
فقال لي : يا أبا محمد ، امض بي إلى فرّائكم هذا . فقلت له : امض . فانتهينا إلى الفرّاء وهو جالس على بابه يخاطب قوما من أصحابه في النحو ، فلما عزم على النهوض ، قلت له : يا أبا زكريا ، هذا أبو عمر صاحب البصريين يحبّ أن تكلّمه في شيء . فقال : نعم ، ما يقول أصحابك في كذا وكذا ؟ قال : كذا وكذا . قال : يلزمهم كذا وكذا ، ويفسد هذا من جهة كذا وكذا . قال : فألقى عليه مسائل وعرّفه الإلزامات فيها ، فنهض وهو يقول : يا أبا محمد ، ما هذا الرجل إلا شيطان . فكرّر ذلك مرتين أو ثلاثا . قال الخطيب : بلغني أنّ الفرّاء مات ببغداد في سنة سبع ومائتين وقد بلغ ثلاثا وستين سنة . ثم أخرج من طريق أبي عيسى بن زهير التغلبيّ ، قال : أنشدنا محمد بن الجهم السمّريّ يمدح الفرّاء : يا طالب النحو التمس علم ما * ألّفه الفرّاء في نحوه أفاد من يأتيه ما لم يكن * يعلم من قبل ولم يحوه ستين حدّا قاسها عالما * أملّها بالحفظ من شدوه على كلام العرب المنتقى * من كلّ منسوب إلى بدوه سوى لغات ومعان لقد * أرشده الله ولم يغوه وجمع ما احتيج إلى جمعه * والوقف في القرآن أو بدوه ومصدر الفعل وتصريفه * في كلّ فنّ جاء من نشوه إلى حروف طرف أثبتت * في أول الباب وفي حشوه وصنّف المقصور والمدّ والت * حويل في الخاطئين أو شلوه أو مثل بادي الرأي في قولهم * يخطف البرق لدى ضوّه وفي البهي الكلم المرتضى * من حسنه والنهي عن سوّه رام سواه فانثنى خائبا * وأخطأ المعنى ولم يشوّه فرحمة الله على شيخنا * يحيى مع الأبرار في علوه