جلال الدين السيوطي

643

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

وأخرج عن أبي بكر بن الأنباريّ ، قال : لو لم يكن لأهل بغداد والكوفة من علماء العربية إلا الكسائيّ والفرّاء لكان لهم بهما الافتخار على جميع الناس ؛ إذ انتهت العلوم إليهما ، وكان يقال : النحو الفرّاء ، والفرّاء أمير المؤمنين في النحو . وأخرج عن هناد بن السريّ ، قال : كان الفرّاء يطوف معنا على الشيوخ ، فما رأيناه أثبت سوداء في بيضاء قط ، لكنّه كان إذا مرّ حديث فيه شيء من التفسير أو متعلّق بشيء من اللغة ، قال للشيخ : أعده عليّ . وظننا أنّ كان يحفظ ما يحتاج إليه . وأخرج من طريق أبي بكر بن مجاهد ، قال : قال لي محمد بن الجهم : كان الفرّاء يخرج إلينا وقد لبس ثيابه في المسجد الذي في خندق عيوبه وعلى رأسه قلنسوة كبيرة ، فيجلس ، فيقرأ أبو طلحة الناقط عشرا من القرآن ، ثم يقول له : أمسك . فيملي من حفظه المجلس ، ثم يجيء سلمة بعد أن ننصرف نحن ، فيأخذ كتاب بعضنا ، فيقرأ عليه ، ويغيّر ويزيد وينقص ، فمن ههنا وقع الاختلاف بين النسختين . قال ابن مجاهد : وسمعت ابن الجهم يقول : ما رأيت مع الفرّاء كتابا قط إلا كتاب « يافع ويفعة » . وقال ابن مجاهد : قال لنا ثعلب : لما مات الفرّاء لم يوجد له إلا رؤوس أسقاط ، فيها مسائل تذكّر وأبيات شعر . وأخرج من طريق أبي بكر محمد بن قاسم الأنباريّ ، قال : حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى النحويّ ، قال : حدثنا سلمة ، قال : أملّ الفرّاء كتبه كلّها حفظا لم يأخذ بيده نسخة إلا في كتابين : « كتاب ملازم » و « كتاب يافع ويفعة » . قال أبو بكر بن الأنباريّ : ومقدار الكتابين خمسون ورقة ، ومقدار كتب الفرّاء ثلاثة آلاف ورقة . وأخرج من طريق الصوليّ ، قال : قلت للكسائيّ : الفرّاء أعلم أم الأحمر ؟ فقال : الأحمر أكثر حفظا ، والفرّاء أحسن عقلا وأبعد فكرا وأعلم بما يخرج من رأسه . وأخرج من طريق أبي بكر بن الأنباريّ ، قال : حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى قال : حدثنا سلمة ، قال : خرجت من منزلي ، فرأيت أبا عمر الجرميّ واقفا على بابي ،