جلال الدين السيوطي

642

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

تواضعه لسلطانه ووالده ومعلّمه العلم ، وقد عوضتهما مما فعلاه عشرين ألف دينار ، ولك عشرة آلاف دينار على حسن أدبك لهما . ثم أخرج من طريق ثعلب عن أبي نجدة ، قال : لما تصدّى أبو زكريا للاتصال بالمأمون كان يتردّد إلى الباب ، فلما كان ذات يوم جاء ثمامة ، قال : فرأيت أبهة أدب ، فجلست إليه ، ففاتشته عن اللغة ، فوجدته بحرا ، وفاتشته عن النحو ، فشاهدت نسيج وحده ، وعن الفقه ، فوجدت رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم ، وبالنجوم ماهرا ، وبالطبّ خبيرا ، وبأيام العرب وبأشعارها حاذقا ، فقلت : من تكون وما أظنّك إلا الفرّاء ؟ قال : أنا هو . فدخلت ، فأعلمت المأمون ، فأمر بإحضاره لوقته ، وكان سبب اتصاله به . وأخرج من طريق أبي بكر بن الأنباريّ ، قال : حدثني أبي ، قال : سمعت إسماعيل بن إسحاق يقول : ما أحد برع في علم الأدلة على غيره من العلوم . قال بشر المريسيّ للفرّاء : يا أبا زكريا ، أريد أن أسألك عن مسألة من الفقه . فقال : سل . فقال : ما تقول في رجل سها في سجدتي السهو ؟ قال : لا شيء عليه . قال : من أين قلت ؟ قال : قسته على مذاهبنا في العربيّة ؛ وذلك أنّ المصغّر عندنا لا يصغّر ، فكذلك لا يلتفت إلى السهو في السهو . فسكت بشر . وحكي أنّ محمد بن الحسن سأل عن هذه المسألة لا بشر . ثم أخرج عن عبد الله بن الوليد صعودا ، قال : كان محمد بن الحسن الفقيه ابن خالة الفرّاء ، وكان الفرّاء يوما عنده جالسا ، فقال الفرّاء : قلّ رجل أنعم النظر في باب من العلم فأراد غيره إلا سهل عليه . فقال له محمد : يا أبا زكريا ، فأنت الآن قد أنعمت النظر في العربيّة ، فنسألك عن باب من الفقه . قال : هات على بركة الله . قال : ما تقول في رجل صلّى فسها فسجد سجدتي السهو ، فسها فيهما ؟ ففكّر الفرّاء ساعة ، ثم قال : لا شيء عليه . قال له محمد : ولم ؟ قال : لأنّ التصغير عندنا لا تصغير له ، وإنّما السجدتان تمام الصلاة ، فليس للتمام تمام . فقال محمد بن الحسن : ما ظننت آدميّا يلد مثلك .