جلال الدين السيوطي
641
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
لإملاء كتاب المعاني ، فلم تضبط . قال : فعددنا القضاة ، فكانوا ثمانين قاضيا ، فلم يزل يمليه حتى أتمّه . وله كتابان في المشكل ، أحدهما أكبر من الآخر . قال : فلما فرغ من إملاء المعاني خزنه الورّاقون عن الناس ؛ ليكسبوا به ، وقالوا : لا نخرجه إلى أحد إلا إلى من أراد أن ننسخه له على خمس أوراق بدرهم . فشكا الناس ذلك إلى الفرّاء . فدعا الورّاقين ، فقال لهم في ذلك ، فقالوا : إنّما صحبناك لننتفع بك ، وكلّ ما صنّفته فليس للناس به من الحاجة ما بهم إلى هذا الكتاب ، فدعنا نعش به . قال : فقاربوهم تنتفعوا وينتفعوا . فأبوا عليه . فقال : سأريكم . وقال للناس : إني ممل كتاب معان أتمّ شرحا وأبسط قولا من الذي أمليت . فجلس يملي ، فأملى « الحمد » في مائة ورقة ، فجاء الورّاقون إليه ، فقالوا : نحن نبلغ الناس ما يحبّون . فنسخوا كلّ عشر أوراق بدرهم . قال : وكان المأمون قد وكّل الفرّاء يلقّن ابنيه النحو ، فلما كان يوما أراد الفرّاء أن ينهض إلى بعض حوائجه ، فابتدرا إلى نعل الفرّاء يقدمانه له ، فتنازعا أيّهما يقدمه ؟ ثم اصطلحا على أن يقدّم كلّ واحد منهما فردا ، فقدّماها ، وكان المأمون له على كلّ شيء صاحب ، فرفع ذلك إليه في الخبر ، فوجّه إلى الفرّاء ، فاستدعاه ، فلما دخل عليه ، قال له : من أعزّ الناس ؟ قال : لا أعرف أعزّ من أمير المؤمنين . قال : بلى ، من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليّا عهد المسلمين حتى رضي كلّ واحد أن يقدّم له فردا . قال : يا أمير المؤمنين ، لقد أردت منعهما عن ذلك ، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها ، أو أكسر نفوسهما عن شريفة حرصا عليها ، وقد يروى عن ابن عبّاس أنّه أمسك للحسن والحسين ركابيهما حين خرجا من عنده ، فقال له بعض من حضر : أتمسك لهذين الحدثين ركابيهما وأنت أسنّ منهما ؟ فقال له : اسكت يا جاهل ، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل . قال المأمون : لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوما وعتبا ، وألزمتك ذنبا ، وما وضع ما فعلاه من شرفهما بل رفع من قدرهما ، وبيّن عن جوهرهما ، ولقد ثبتت لي مخيلة الفراسة بفعلهما ، فليس يكبر الرجل وإن كان كبيرا عن ثلاث : عن