جلال الدين السيوطي

574

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

أخبرني قاض من جلة المسلمين أنّه سمع محمد بن جرير الطبريّ يقول : أنا أقدر أن أعلم النحو في كلمتين . قال : فقلت له : ما الكلمتان ؟ قال : هيهات ، لا أعلّمها إلا خليفة أو ولي عهد . وروى الخطيب عن أبي علي الطوماريّ ، قال : كنت أحمل القنديل في شهر رمضان بين يدي أبي بكر بن مجاهد إلى المسجد لصلاة التراويح ، فخرج ليلة ، فمرّ على مسجد ابن جرير ومحمد يقرأ سورة الرحمن ، فاستمع قراءته طويلا ، ثم انصرف ، فقلت له : يا أستاذ ، تركت الناس ينتظرونك وجئت تسمع قراءة هذا ؟ قال : يا أبا علي ، دع هذا عنك ، ما ظننت أنّ الله تعالى خلق بشرا يحسن هذه القراءة . وروى ابن عساكر عن محمد بن علي بن محمد بن سهل المعروف بابن الإمام صاحب محمد بن جرير ، قال : سمعت أبا جعفر بن جرير وهو يكلّم المعروف بابن صالح الأعلم ، وجرى ذكر علي بن أبي طالب ، فجرى خطاب ، فقال له محمد بن جرير : من قال أنّ أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى ؟ أيش هو ؟ قال : مبتدع . فقال له ابن جرير إنكارا عليه : مبتدع مبتدع ؟ ! هذا يقتل من قال أنّ أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى يقتل يقتل . وروى ابن عساكر عن أبي سعيد عثمان بن أحمد الدّينوريّ ، قال : حضرت مجلس محمد بن جرير ، وحضر الوزير الفضل بن جعفر بن الفرات ، وكان قد سبقه رجل ليقرأه ، فالتفت إليه محمد بن جرير ، فقال له : ما لك لا تقرأ ؟ فأشار الرجل إلى الوزير ، فقال له : إذا كانت لك النوبة فلا تكثرت لدجلة ولا الفرات . وقال المعافى بن زكريا : حكى بعض بني الفرات أنّه كان بحضرة أبي جعفر بن جرير قبل موته بساعة أو أقلّ ، فذكر له دعاء رواه نصر بن كثير عن جعفر بن محمد ، فاستدعى محبرة وصحيفة ، فكتبه ، فقيل له : أفي هذه الحال ؟ فقال : ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى يموت . والدعاء المذكور أخرجه المعافى بن زكريا ، قال : حدثنا محمد بن جعفر بن أحمد