جلال الدين السيوطي

19

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

يا أصمعيّ ، كيف كنت بعدي ؟ فقال : ما ألاقتني بعدك أرض . فتبسّم الرشيد ، فلما خرج الناس ، قال له : ما معنى قولك : « ما ألاقتني « 1 » أرض » قال : ما استقرّت بي ، كما يقال : فلان لا يليق شيئا ، أي لا يستقرّ معه شيء . فقال له : هذا أحسن ، ولكن لا ينبغي أن تكلمني بين الناس إلا بما أفهمه ، فإذا خلوت فعلّمني ؛ فإنّه يقبح بالسلطان أن لا يكون عالما ؛ إما أن أسكت فيعلم الناس أني لا أفهم إذا لم أجب ، وإما أن أجيب بغير الجواب فيعلم من حولي أني لم أفهم ما قلت . قال الأصمعيّ : فعلّمني أكثر مما علمته . وقال أبو العباس : نمي إليّ أنّ الرشيد مازح أمّ جعفر ، فقال لها : كيف أصبحت يا أمّ نهر ؟ فاغتمت لذلك ، ولم تدر ما معناه ، فوجّهت إلى الأصمعيّ تسأله عن ذلك ، فقال لها : الجعفر النهر الصغير ، وإنّما ذهب إلى هذا . فطابت نفسها . [ وقال ] أبو العباس : كان رجل يألف حلقة الأصمعيّ ، ويهدي إليه من ضيعته ، فترك حلقة الأصمعيّ ، وألف حلقة أبي زيد ، فمرّ الرجل يوما بالأصمعيّ ، فأنشده الأصمعيّ للفرزدق : ولجّ بك الهجران حتى كأنّما * ترى الموت في البيت الذي كنت تألف قال : وكان الأصمعيّ يقول اليسير من الشعر ؛ قال في واقعة البرامكة : أيّها المغرور هل لك * عبرة في آل برمك غرّهم عن قدر الل * ه حساب الهشتمرّك في أبيات آخرها : عبرة لم ترها أن * ت ولا قبل أب لك قال : وأكثر سماعه عن الأعراب وأهل البادية . وفي تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر الخطيب من طريق أحمد بن كامل القاضي ، قال : حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب عن أحمد بن عمر بن بكير النحويّ ، قال :

--> ( 1 ) في أخبار النحويين البصريين : « لاقتني » ، ورواية اللسان : « ألاقتني » . انظر : أخبار النحويين البصريين : 77 . واللسان : مادة ( ليق ) .