جلال الدين السيوطي
20
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
لما قدم الحسن بن سهل العراق ، قال : أحبّ أن أجمع قوما من أهل الأدب ، فيجرون بحضرتي في ذلك ، فحضر أبو عبيدة معمر بن المثنى ، والأصمعيّ ، ونصر بن علي الجهضميّ ، وحضرت معهم ، فابتدأ الحسن ، فنظر في رقاع كانت بين يديه للناس في حاجاتهم ، ووقّع عليها ، وكانت خمسين رقعة ، ثم أمر فدفعت إلى الخازن ، ثم أقبل علينا ، فقال : قد فعلنا خيرا ، ونظرنا في بعض ما نرجو نفعه من أمور الناس والرعية ، فنأخذ الآن فيما نحتاج إليه ، فأفضنا في ذكر الحفّاظ ، فذكرنا الزّهريّ ، وقتادة ، ومررنا . فالتفت أبو عبيدة ، فقال : ما الغرض أيّها الأمير في ذكر ما مضى ؟ وإنّما ما نعتمد في قولنا على حكاية عن قوم [ مضوا ] ونترك ما نحضره ؟ ههنا من يقول إنّه ما قرأ كتابا قطّ فاحتاج إلى أن يعود فيه ، ولا دخل قلبه شيء فخرج عنه . فالتفت الأصمعيّ ، فقال : إياي يريد بهذا القول أيّها الأمير ، والأمر في ذلك على ما حكى ، وأنا أقرّب عليه . قد نظر الأمير فيما نظر فيه من الرقاع ، وأنا أعيد ما فيها . وقال أبو سليمان الخطّابيّ عن محمد بن يعقوب المتوثيّ عن أحمد بن عمرو الزئبقيّ عن أبيه عن الأصمعيّ ، قال : قال لي شعبة : إني وصفتك لحماد بن سلمة وهو يحبّ أن يراك . فوعدته يوما ، فذهبت معه إليه ، فسلّمت عليه ، فحيّا ورحّب ، فقال له شعبة : يا أبا سلمة ، هذا ذاك الفتى الأصمعيّ الذي ذكرته لك . فحيّاني بعد وقرّب ، ثم قال : كيف تنشد هذا البيت : أولئك قومي إن بنوا أحسنوا البنا * وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا يعني : بكسر الباء . فقال لي : انظر جيدا . فنظرت ، فقلت : لست أعرف إلا هذا . فقال : يا بني : أولئك قومي إن بنوا أحسنوا البنا القوم إنّما بنوا المكارم ولم يبنوا باللبن والطين . قال : فلم أزل هائبا لحمّاد بن سلمة ، ولزمته بعد ذلك .